ليلى خالد لـ«البديل»: المخطط القادم أن يكون العرب هم الضاغط على الفلسطينيين (1-2)

الحديث عن مواجهة الاحتلال بسلمية كلام في الهواء
الناس في فلسطين تسأل كيف نواجه إسرائيل.. وأبو مازن يقول: نريد تحديد العلاقة مع إسرائيل
صوتنا هو الأعلى في مواجهة فتح وحماس ونهج الانقسام مدمر كنهج أوسلو

مناضلة وأحد الرموز التاريخية للمقاومة الفلسطينية، وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمجلس الوطني الفلسطيني، بعمليّتين لخطف الطائرات، أسفرت إحداهما عن تفجير الطائرة، والأخرى عن القبض عليها. عُرفت على مستوى عالمي بأنها “امرأة حديدية”، ومثّلت نقطة توهّج في تاريخ الكفاح ضد الاستعمار والصهيونية، وكانت أبرز من قاموا بعمليات نوعيّة، لم تسفر عن مقتل أبرياء أو مدنيين غير صهاينة، هدفت إلى لفت نظر الرأي العام العالمي للقضية الفلسطينية، التي عانت وقتها عامي 1969 و1970 كما الآن، من تواطؤ القوى العالمية على احتلال كامل أرض فلسطين.. إنها ليلى خالد.

التقينا بها على هامش الاحتفال بمئوية الزعيم، وتحدثنا عن الوضع الفلسطيني الملتهب وتعقيداته والمشهد السياسي الإقليمي، في ظل تحوّلات سبقت قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ومقدّمات انتفاضة بدأت تلوح في الأفق، وتعاني من غياب القيادة.

في رأيك هل ما زال مبدأ “وحدة وصراع المتناقضات” حاكمًا مناسبًا لوجود الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بمنظمة التحرير الفلسطينية مع فتح؟ وماذا تحقق من مشروع الجبهة في ضوء وجودكم هذا؟

نعتقد أن القانون الذي يحكم كافة القوى الوطنية الحاضرة في مشروع مقاومة المحتل، في مرحلة التحرر الوطني، هو قانون (وحدة – صراع – وحدة)، فنختلف على مواقف وقضايا محددة وليس على الهدف، وهذا نحلّه بالحوار وبتعميم الفكرة محل الخلاف بين الناس، مثلاً في أحيان كثيرة كنا نصدر ملفًّا حول قضية محددة، نشرنا ذات مرة إصدارًا بعنوان “كيف نفهم الوحدة الوطنية؟”، نحن في المنظمة كمؤسسين رغم أن القيادة، سواء الحالية أو السابقة، مهيمِنة بحكم قبولها في الوطن العربي والدعم المتوفر لها، وفي ذات الوقت قوة الجبهة الشعبية، كقوة يسارية، كانت ولا تزال ناشئة، بينما فتح مثلاً تأسست على أساس تحرير فلسطين كاملة، قبل أن يكتمل الاحتلال عام 1967، وكان ذلك مناسبًا للوضع العربي الرسمي وقتها، وخضنا معارك كتفًا إلى كتف في الكفاح المسلح كقوى تختلف أيديولوجيًّا وسياسيًّا حول قضايا محددة، ودعوتنا إلى وحدة تلك القوى ترجع إلى أن مرحلة التحرر الوطني تتطلّب التوحّد في “مظلة جامعة”، لقد تحوّلت منظمة التحرير، خلال معاركها مع المحتل، إلى نموذج مختلف عن أي جبهة وطنية في أي بلد في العالم؛ لأنها شكّلت الكيان السياسي الموحّد للشعب الفلسطيني رغم تشتته، لكن تم تهميشها لصالح السلطة الوطنية الفلسطينية باتفاقية أوسلو.

الحقيقة أننا وقفنا كثيرًا، ودققنا أمام سؤال (هل نترك المنظمة؟)، وقررنا ألا نترك الجبهة الوطنية؛ لأنها أحد روافع المواجهة مع المحتل، تلك هي صفتها بالمطلق، إذا مرّ زمن ومرحلة هُمشت فيهما هذه المنظمة علينا استعادتها ونحن فيها وليس من خارجها، قد يُتاح إعادة بنائها مرة أخرى لتأخذ دورها بناء على برنامج واضح باستراتيجية وطنية جديدة تترك نهج أوسلو، وفي نفس الوقت توحّد الساحة الفلسطينية بعد الانقسام، هذه الرؤية تحتاج إلى وقت وأيضًا إلى تغيير ميزان القوى داخل المنظمة، لهذا قررنا في المؤتمر السابع للجبهة ألا نخرج من المنظمة وكذلك جاء قرار اللجنة المركزية، نحن لا نوافق على السلطة، ونعتبرها من إفرازات أوسلو التي نحن ضدها، لكن بخصوص مبدأ وحدة وصراع المتناقضات سيبقى حاكمًا لنا من حيث اتخاذ المواقف السياسية التي تحمي وحدة الشعب الفلسطيني. نعم نعتبر نهج أوسلو مدمرًا للمشروع الوطني، تمامًا كنهج الانقسام، ومن ناحية أخرى نبذل كل الجهد لتجميع القوى مرة أخرى لتحاور بعضها بعضًا كبديل عن الوصول لاستخدام الحسم العسكري في حل التناقضات، ونعتبر أنه لا يحق لطرف الانفراد بالقرار السياسي للشعب الفلسطيني، كما حدث واتخذت فتح قرارًا منفردًا بتوقيع أوسلو باسم منظمة التحرير، ونحن بصدد الاستمرار في خوض المعارك على أرضية منظمة التحرير، كما ندعو الجماهير للضغط على طرفي الصراع لإنهاء الانقسام في الساحة الفلسطينية من أجل إسقاط أوسلو نهائيًّا، وقد سقطت أولاً بفعل الطرف الصهيوني وليس فتح المهيمِنة في تلك الساحة.

لكن كيف يمكن حلّ أو الشروع في حلّ هذا التوحّد بين المنظمة والسلطة؟ وكيف ترون عملية المصالحة بين فتح وحماس ومشكلة الانقسام؟

الآن السلطة وظيفتها إدارية وخدمية، ولا سلطة حقيقية لها، والمجلس الوطني اتخذ قرارًا بإعادة النظر في وظيفة السلطة التي أنشأتها منظمة التحرير كذراع لها، لكن بالممارسة العملية حدث العكس، فأصبحت المنظمة ابنة السلطة حتى دون أن تهتم السلطة بأمرها حقيقة، لكن في المرحلة الحالية بعد موقف الإدارة الأمريكية ستتخذ إجراءات أخرى، كضمّ الضفة الغربية، وقد يحدث هذا، وقد يناقش في الكنيست، بمعنى ضمّ المستوطنات فقط، القدس مسألة لا تفاوض حولها، وحق العودة للاجئين وما إلى ذلك، السلطة غير قادرة على قبول هذه المسائل؛ لأن الشعب يخرج مباشرة في الشارع وينفجر بوجهها، حماس مثلاً وافقت على استلام السلطة لغزة، وقد اقتتلت على ذلك من قبل، لكنها لم تعد قادرة على حكم القطاع وتحمّل مسؤولية الشعب المحاصر، والسلطة تريد أخذ دورها في القطاع، لكنها تريد أيضًا تنازلات من حماس رغم كل اللقاءات الثنائية والحوارات، وتم الاتفاق على برنامج وتشكّلت لجان لمتابعة العمل، وأوّلها الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير. فتح وحماس الحركتان الأكبر في الساحة الفلسطينية، وصوتنا هو الأعلى في مواجهة الطرفين، وتلك مسألة غير سهلة، أي مواجهة طرفين متناقضين مطلوب جمعهما في إطار المنظمة، نحن نحشد الشعب على هذه المسألة – ولو لم تتم فورًا – سواء في الداخل أو في الخارج، حيث في الخارج نوضّح أن حق العودة هُدد بسلوك السلطة، وعمومًا لم يحل اتفاق أوسلو قضايا اللاجئين والمستوطنات والقدس وضللوا شعبنا بأن نهجًا كهذا يؤدي إلى دولة.

نراهن على أنه بعد ربع قرن بات الشعب الفلسطيني واعيًا بذلك، ومن هنا تخرج الفورات بالسكاكين والدهس، وفي غزة يتوجه الناس إلى الحاجز عالمين بموتهم، لكنهم يقولون “ما زلنا نقاتل”، لم يرفع الشعب الراية البيضاء، ويقاتل في الشوارع كل يوم، ضغط الشارع يشتد كلما قُدمت تنازلات من السلطة، ونحن محرضون بوضوح ولسنا في صمت، اتّضح تضليل السلطة حول “راعي السلام” الذي هو من معسكر الأعداء، وبتسارع إجراءات هذا العدو. نحن الآن بصدد خوض معارك سياسية، في وضع يشهد آلاف الشهداء ومليون أسير منذ 1967 إلى الآن و8000 في الفترة الحالية، منهم 1000 في شهر واحد، القمع الزائد يثير ردود الفعل الأقوى، وهذا سيضع السلطة وحماس أمام سؤال كبير هو “إلى أين؟”.

إذن سياسة الجبهة في المستقبل القريب مرهونة بالتحرك الشعبي فقط؟ في مرحلة سابقة قال جورج حبش الأمين العام المؤسس للجبهة عن الانتفاضة الأولى إنكم طالما حاولتم تطويرها بينما نجحت فتح في استخدامها والمساومة بها في المفاوضات، كيف تضمنون ألا يتكرر ذلك؟ وما دوركم العملي في الدفع لانتفاضة؟

بطبيعة الحال نعتمد على الشعب، فهو قوّتنا، ونعمل الآن على تطوير الهبّة الحالية لتبلغ الانتفاضة، وفي وجود قوى أخرى معنا يمكن ترجمة ذلك على الأرض، البعض دعا إلى عصيان مدني وقد يتمّ، النقطة الثانية أن الحالة الموضوعية مساعِدة على الانتفاضة؛ لأن الناس تُقتل يوميًّا، والسلطة تتفرج، ومثله حدث في غزة، حيث الحصار وثلاث حروب ولم يجنِ الناس شيئًا، وهم مع ممارسة المقاومة في كل الأحوال، لذلك سارعت حماس إلى السلطة لإعادة اقتسام الحصص. من ناحية أخرى لا تنسَ أن الوضع العربي العام معيق لأي تطور وغير داعم. ترامب يتحدث عن دولة فلسطينية في سيناء، بينما تم استيطان الضفة، والصراع الآن على 12 % من الضفة، لم يبقَ شيء، المخطط القادم أن يكون العرب هم الضاغط على الفلسطينيين، الناس في فلسطين يعلنون بوضوح إرادتهم للمواجهة، ويطرحون الأسئلة حول ذلك، وأبو مازن مصر على ما يقوله دائمًا إن “الحياة مفاوضات”، وقال في المجلس المركزي إنه يجب “تحديد العلاقة مع إسرائيل”، ماذا قد تكون العلاقة مع إسرائيل في الواقع؟ القانون الطبيعي أن الاحتلال يواجَه بالمقاومة، وبالطبع شعار “المقاومة السلمية” كلام في الهواء؛ لأنه لا يعني سوى أن تخرج الناس للتظاهر فتُقتل أو تُعتقل، إلى أين يذهب أبو مازن بشعبه بسياسة كتلك؟

لذلك قلنا لن ندير الظهر للشعب الذي نشعر بأمل لديه نحونا بأن نقوى ونصبح قادرين على انتزاع القيادة أو تغييرها، لكن للأسف العامل الذاتي غير متوفر حتى الآن رغم توفر العامل الموضوعي، الاحتلال يهاجم ونحن نواجه، ونعتبر أن الكفّ عن المواجهة سقوط، حين بدأت عمليات الطعن قيل إنها حالات فردية وأسمتهم إسرائيل بـ”ذئاب منفردة”، لكن فيما بعد انتبهوا أن وراء العمليات تنظيم، ومن جانبنا ندفع في هذا الاتجاه ونعمل في المقاومة، ودعونا إلى تشكيل قيادة موحّدة تدير نشاط الشباب الذين يخرجون للشارع؛ لكي لا يُقتلوا ببساطة، نعم نواجه محتلاًّ، لكن نستطيع أن نقلل الخسائر الفادحة، والحقيقة أننا حاولنا أيضًا توحيد قوى اليسار (أو ما يُعتبَر يسارًا،) لكن نكتشف باستمرار اختلافنا معهم في السياسة، هم في صف الرئيس عباس.