إسرائيل بعد إسقاط «الردع».. مقامرة التصعيد ومعضلة الحرب (تحليل)

وضعت الغارة الإسرائيلية الفاشلة على سوريا أمس الأول تل أبيب وقادتها، أمام نموذج واقعي لما يتجادلوا عليه طيلة العاميين الماضيين، والمتمثل في التهديد الذي تشكله المقاومة على مستقبل إسرائيل واستمرارها، وليس تهديد أمنها، وهي المخاوف التي وصلت بتوصيف بعض من ساسة وقادة إسرائيل على مختلف مجالاتهم وانتمائهم إلى حد “التهديد الوجودي”؛ فإسقاط طائرة إف16 إسرائيلية ليس مجرد إخفاق حربي لجيش الاحتلال على قدر ما هو إخفاق استراتيجي لنظرية الأمن الإسرائيلية، والتي قامت منذ 1967 على التفوق والهيمنة الجوية المطلقة لسلاح الجو الإسرائيلي في أي جولات عسكرية منذ التاريخ السابق وحتى أمس الأول، كأحد مقومات الهيمنة والتفوق العسكري الإسرائيلي.

تحقق كابوس إسرائيل الأسوأ

كذلك يفرض هذا الفشل العسكري خطوط حمراء جديدة وقواعد اشتباك وردع اُضطرت تل أبيب للقبول بها واقعياً، أمام خيارات أسوأ مثل الحرب المفتوحة، والتي يقر قادة الكيان الصهيوني العسكريين بعدم قدرة تل أبيب بدون واشنطن على الصمود فيها، بل واستبعادها خلال المستقبل القريب؛ أي باختصار وضعت هذه الحادثة إسرائيل أمام خيارات سيئة تجعلها لأول مرة تفقد ميزة المبادرة والردع الجوي وضمان عدم الرد، والأهم تجعل أي فعل عسكري إسرائيلي على مختلف الجبهات مهما كان حجمه، بوابة لانزلاق حتمي نحو أكثر ما تخشاه تل أبيب مؤخراً وهو الحرب، التي يعي قادتها أنها ستكون مختلفة عن أي “جولة عسكرية” يقوم بها جيش الاحتلال بشكل روتيني كل عدة أعوام، بل وأيضاً تُقلص ميزة تحركه بأريحية كانت معتادة، حتى أمس الأول في سماء البلدان المجاورة لفلسطين المحتلة، وخاصة سوريا ولبنان.

السابق أكد عليه المعلق العسكري في القناة العاشرة الإسرائيلية، أور هيلر، في مداخلة له أمس نقل فيها ما أسماه “رؤية سلاح الجو بعد إسقاط إف16″، ومفادها أن القوات الجوية الإسرائيلية التي كانت تعمل بمعدل أمان جيد في نشاطها الروتيني على جبهة الشمال والعمق السوري، باتت الأن لأول مرة منذ36 عام – حرب لبنان 1982- عرضة لاستهداف مباشر من جانب بطاريات الصواريخ السورية، والتي في مجملها لم تتطور عن صواريخ سام السوفيتية المحسنة محلياً، وهو الأمر الذي سيؤدي في رأي هيلر إلى “إثارة خيال استهداف الطائرات الإسرائيلية على مختلف الجبهات”، وهو الأمر الذي لم تعتاده إسرائيل في حروبها العسكرية سابقاً. ويذهب المعلق العسكري لما هو أبعد من الاشتباك الجوي بالقول أن “الصدام المباشر لم يعد مجرد هاجس يُناقش في الغرف المغلقة”، ولكن يحدث بالفعل في حين أن تل أبيب غير مستعدة لاستيعابه حال انحداره إلى حرب مفتوحة، وهي أيضاً ما لا تريده إسرائيل في الوقت الراهن، نظراً لفقدان معطيات التفوق العسكري المعتادة، والتي أخرها فقدان الهيمنة الجوية.

وفي نفس السياق، وكنتيجة مبدئية لما جرى أمس الأول، فإنه على مختلف الأصعدة، عسكرياً وسياسياً وأيضاً استراتيجياً من ناحية عدم حصره في أن ما حدث مجرد “اشتباك اعتيادي”، يمكن اعتبار الحادثة كدلالة ونموذج لعجز استراتيجيات بقاء إسرائيل على أكثر من مستوى عسكري وأمني وسياسي، والأهم اقتصادي متعلق بمقومات استمرار إسرائيل الاقتصادية، مثل الغاز الطبيعي، والذي يُعد مسرحاً مستجد للصراع بين المقاومة وتل أبيب، تحول بالنسبة للأخيرة من فرصة إلى تهديد، ناهيك عن ما يتعلق بنفس الأمر من ناحية المنافسة الاقتصادية الوشيكة لهذا “الكنز الاستراتيجي” من جانب سوريا ولبنان.

تطوير المقاومة للردع

هنا يمكن اتخاذ حادثة أول أمس كنقطة بداية عملية لمبدأ الردع الجديد الذي طورته المقاومة من ضرب العمق الإسرائيلي بالصواريخ إذا ما قصفت إسرائيل المقاومة في سوريا ولبنان ومعادلة “تل أبيب مقابل بيروت”، إلى قطع ذراع تل أبيب الطويلة والقوية، والمتمثلة في سلاح الجو الإسرائيلي، والذي يمتلك أفضل الطائرات الأميركية بما في ذلك طائرة إف35 فائقة التطور التكنولوجي التي تعرضت في جولة تجريبية قبل شهرين لاعتراض من صاروخ سام 3، أدى إلى رفع حالة الاستنفار الجوي لتل أبيب نظراً لاستهداف جوهرة سلاح الجو التي قدمتها واشنطن لإسرائيل كضمان لتفوقها العسكري المطلق في المنطقة، حتى بين حلفاء الولايات المتحدة. والأن يتخطى الأمر مسألة خلخلة مبدأ الهيمنة الجوية الإسرائيلية المعتادة، ولكن أيضاً يقيد قدرة الردع الإسرائيلية ووسيلة إنفاذها الأهم المتمثلة في سلاح الجو، في حين أن ترسانة صواريخ المقاومة لا تملك حيالها إسرائيل سوى فرصة اعتراض عبر مختلف منظومات اعتراض الصواريخ مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود والسهم،  أقل من 8% -حسب تقديرات معهد الأمن القومي الإسرائيلي 2014- وتتضاءل إلى أقل من هذا في سيناريو الإمطار في حرب مفتوحة.

أيضاً تضع هذه الحادثة تل أبيب أمام تجريب عملي لما كانت تخشاه في السنوات القليلة الماضية، وخاصة منذ تدخل روسيا في سوريا قبل 3 أعوام، والخاص بتقييد حركة سلاح الجو ومحاولة توسيع هامش الاشتباك بالتفاهم مع موسكو، والتأكد أن منظومات الدفاع الجوي الروسية المتطورة في سوريا مثل إس 300 وإس 400 لن تعيق إسرائيل عن استهداف المقاومة، وهو المحور الذي شكل مساحة كبيرة من المحادثات بين موسكو وتل أبيب في السنوات القليلة الماضية، وبُذل في سياقه الكثير من التفاهمات والبروتوكولات، والتي في مجملها لم تكن سوى ضمانة صورية لم تكفي عند الاختبار من استهداف الطائرات الإسرائيلية بمنظومات الدفاع الجوي السوري، والتي لم تعول على بطاريات الدفاع الجوي الروسي في الدفاع عن سماء سوريا من الاعتداءات الإسرائيلية، بل اتجهت إلى تفعيل حق الرد، وما يعنيه من تحييد أو على الأقل تقييد سلاح الجو الإسرائيلي في العمل بأريحية، وهو ما يعني أيضاً تحقق ما خشت منه تل أبيب في العاميين الماضيين، والمتمثل في عودة سوريا في قائمة التهديدات والمخاطر الإسرائيلية بعد التعافي النسبي وانتهاء الحرب هناك، وهذا لا يعني فقط عودة الدعم التقليدي لدمشق للمقاومة في لبنان، ولكن يشكل وبالحد الأدنى إمكانية تحرير الجولان السوري في المستقبل القريب، استناداً على المتغيرات الاستراتيجية الجديدة المتعلقة بالحرب القادمة، والتي تجعلها بلسان عسكريين إسرائيليين في غير صالح إسرائيل.

مقامرة التصعيد ومعضلة الحرب

وجدير بالتذكير هنا أن تقييد الرادع الإسرائيلي الأهم، لا يأتي من تفوق نوعي للدفاعات الجوية السورية، والتي لاتقارن في رأي عسكريين إسرائيليين بالتفوق الجوي لتل أبيب؛ فعلى الرغم من قدرة الترسانة الدفاعية الجوية لسوريا وحلفائها في التصدي للطيران الإسرائيلي من الأن وصاعداً، إلا أنها ترسانة غير متطورة وينتمي معظمها للحقبة السوفيتية، ولكنها كافية لإلحاق ضرر بسلاح الجو الإسرائيلي، ليس فقط في ميزان الكم والنوع، ولكن برسم معادلة مفادها أن الانتهاكات الجوية “المعتادة” من جانب تل أبيب أصبحت من الماضي، أو ما هو أكثر تأثيراً برهنها لإمكانية الانجرار إلى حرب لا تريدها تل أبيب، في حال تكرار مثل هكذا ضربات، وبالتالي نحن أمام نموذج جديد وبارع في تحويل التهديدات إلى فرص من جانب المقاومة ومحورها.

وفي سياق موازي الإطار، تأتي الحادثة الأخيرة كرادع مستقبلي لتل أبيب لسيناريوهات تدخلها في سوريا، التي تمتد بين تحييد بعض المخاطر الحدودية، إلى ضمان بقاء وسيطرة الجماعات الإرهابية المرتبطة بإسرائيل مثل جبهة النُصرة، وما لذلك من استفادة كانت ترجوها تل أبيب في المستقبل بخلق جيوب موالية لها في العمق السوري تقوم بدور جبهة متقدمة، سواء اعتماداً على هذه المجموعات الإرهابية في الجولان إدلب، أو حتى في الجنوب السوري، و اللعب على عوامل أثنية وطائفية لخلق كانتونات موالية لإسرائيل على غرار جيش لحد، تؤمن للكيان الصهيوني فوائد متعددة أمنية وعسكرية، وأيضاً اقتصادية متعلقة بمد خط غاز من شمال فلسطين المحتلة مروراً بالأراضي السورية الخاضعة لسيطرة الجامعات الإرهابية وصولاً لأوربا من البوابة التركية.

أيضاً في نفس السياق السابق، ستؤدي هذه الحادثة إلى إعادة تفكير تل أبيب في مسائل مثل التدخل في سوريا تحت مختلف الذرائع، وتقييد هذا الأمر الذي شرعت فيه إسرائيل في الأسابيع الأخيرة وذروته كان الاشتباك الأخير، وقبله شهد محاولات إسرائيلية لإيجاد موطئ قدم مباشر في الأراضي السورية بحجة محاربة داعش، وسيناريو المنطقة العازلة جنوباً، كذلك الأمر بالنسبة للاحتكاكات الحدودية البحرية والبرية في لبنان؛ فعلى سبيل المثال أوقفت إسرائيل أمس عمليات إنشاء جدار على الحدود بين فلسطين المحتلة ولبنان كان محل خلاف متصاعد بين بيروت وتل أبيب، لارتباطه ليس فقط بترسيم الحدود المتنازع عليها، ولكن أيضاً لعلاقته المباشرة بمسألة التنقيب عن الغاز في الحد البحري المشترك بين الدولتين، والتي ستكون بؤرة الأحداث في المستقبل المنظور.

أخيراً يتبقى المتغير الأهم، والمتعلق بتواجد المقاومة في سوريا وفتحها لجبهة الجولان على أساس معطيات استراتيجية ولوجيستية جديدة، تجعل تعاطي تل أبيب مع هذا التواجد خارج إمكانياتها، وترجعه إلى ما يناسب كل من روسيا والولايات المتحدة، والأخطر بالنسبة لإسرائيل في هذا الشأن أن التعاطي العسكري مع هذا التواجد لمحور المقاومة لن يجلب عليها سوى الانحدار لأسوأ الخيارات التي لا تناسبها حالياً، وهو الحرب، وبالتالي تضع تل أبيب نفسها رهن مقامرة مفادها فقدان الردع والمبادرة وتحقق الأسوأ –أي الحرب- مقابل تسجيل بعض “الانجازات” الإعلامية، تهرب بها حكومة نتنياهو إلى الأمام من إخفاقاتها المتتالية على مستويات داخلية وخارجية.