السياسة بين التغييب والتعييب

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

حضور السياسة يعني حضور القوى الحية في المجتمع، وتغييبها يعني إماتة تلك القوى أو حجبها أو تغييبها، ومشكلة مصر ليست الحضور الطاغي للسياسة، بل أم المشاكل في مصر تأتي من غلق المجال العام، والحجر على القوى السياسية، وتجريم أو تحريم العمل السياسي هو الباب الذي تأتينا منه عواصف العنف، وتهب علينا عبره الرياح التي تهز أركان الدولة وتعصف بشرعية النظام السياسي.

السياسة كلام، وليس كل كلام معيب، فكما أن السياسة كلام فإن الأدب كلام، والفلسفة كلام، والشعر كلام، وكل العلوم الاجتماعية والنظريات الاقتصادية كلها كلام، وفوق كلام البشر هناك كلام الله في القرآن وفي كل رسالات السماء إلى الأرض، فالكلام في حد ذاته ليس عيباً، وتعييبه هو العيب الأكبر والخسارة الأفدح.

هؤلاء الذين يمارسون فعل الاستهزاء بالسياسة والتحقير من شأن السياسيين كأنهم جرب تجب حماية المجتمع من ضررهم لا يعترفون بأن موت السياسة في السنوات العشر الأخيرة من عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك هو الذي أدى إلى خلعه، وهو الذي مهد الطريق إلى هذا الخروج الكبير لملايين المصريين إلى الميادين لكي يعيدوا الحياة إلى فعل السياسة، ويعيدوا الاحترام للسياسات التي احتقرها النظام طويلاً، فكان مقتله وكانت نهايته المفجعة.

الإدارة سياسة، والادارة من دون سياسة تخبط وعشوائية، وطريق إلى الخطأ المستمر، يخرج القائمون عليها من خطأ إلى آخر أسوأ منه وأفدح، والصناعة قبل أن تكون مصانع وعمال ورؤوس أموال هي سياسة، تراعي أحوال المجتمع وتخطط لتحقيق تطلعاته، وتضع الخطوة وراء الأخرى لتنفيذ أهداف محددة في توقيتات معينة، وكذلك الزراعة وكل شأن من شئون الحياة وشئون الدولة وشئون المجتمع وشئون البشر المواطنين على أرض تلك الدولة.

مشكلتنا في تغييب السياسة وليس في حضورها، ومشكلتنا أيضاً في النقص الشديد في عدد الممارسين للسياسة، وليست في كثرتهم، وانظر فقط إلى أحد أهم جوانب تلك المشكلة، حين تأتي مواعيد تفرضها ظروف سياسية لتغيير وزراي محدود أو شامل، تجد في كل مرة أزمة، وفي كل أزمة يتجسد غياب السياسة، للحرص القاتل على وزراء تكنوقراط أكثر من الحرص الرشيد على الوزراء السياسيين، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على تشكلاتنا الوزارية المتعاقبة من ناحية وعلى التشكيلات الوزارية في أي بلد حي وفي أي مجتمع نابض، تجد الفرق شاسعاً، ففي الوقت الذي يعيين فيه السياسيين على قمة الوزرات المسماة سيادية في تلك البلدان المتقدمة يغيب معيار السياسة في كل اختياراتنا لوزرائنا سواء في وزارت عادية أم في وزرات سيادية.

تعييب السياسة هو عيبنا المستمر، وتغييب السياسة هو مأزقنا الحاضر.

إغلاق المجال السياسي هو نفسه سياسة، سياسة تنتهجها الأنظمة الراغبة في الانفراد بالحكم، وهو ـ أيضاً ـ البوابة إلى فتح مجالات للعنف ومجالات للفساد ومجالات للاستبداد، ومجالات للتسلط بالناس وبالحكم وبمستقبل الوطن.

كل المجتمعات حتى تلك البدائية فيها تعددية متنوعة، بعضها سياسي وبعضها فكري وبعضها ديني وبعضها اجتماعي، ولا خيار أمام تلك التعددية غير فتح المجال العام في المجتمع لكي يستطيع أن يتقدم على أسس صحيحة وفي أجواء صحية، تعترف بهذا التعدد وتصون ممارسته على الوجه الأمثل الذي يحفظ للمجتمع حيويته، ويضمن له وسائل وفرص التقدم السلمي والترقي المأمول.

مصر ـ مثل كل الدول وككل المجتمعات ـ فيها تيارات فكرية متعددة، ومطروح عليها سياسات مختلفة، وانحيازات محددة، وليس من طريق عرفته البشرية غير طريف الاعتراف بمثل هذا التعدد واحترامه والدفع به إلى طريق التفاعل الحر لضمان مشاركة الجميع في بناء الوطن.

حشد الناس للتصويت في أوقات الانتخابات التي لا تراعي الحد الأدنى من النزاهة هو في حد ذاته سياسة، الهدف منها حضور الناس فقط في تكريس وضع الرئيس على دكة الحكم ثم الانصراف من بعد عن أي نشاط له طبيعة سياسية، وهي سياسة قصية النظر لا يمكن لها أن تستمر طويلاً.

المشاركة في الاقتراع ـ أي اقتراع ـ له ثلاثة صور، الموافقة والتأييد، والمخالفة والرفض، والامتناع عن التصويت، كلها من حقوق المقررة لأي مواطن حر في أي وطن حر، وكان هذا متاحاً زمن الاستفتاءات على رئيس الجمهورية، حين كان يُختار المرشح لمنصب الرئيس أولاً من المجلس النيابي أيا كان اسمه، مجلس الشعب أم مجلس الأمة أم مجلس النواب، وكان من حق كل عضو بالبرلمان أن يصوت إما بالموافقة، وإما بالرفض، وإما بالامتناع عن التصويت، ولم نسمع حتى في زمن الاستفتاءات أن الامتناع عن التصويت يعد موقفاً غير وطني يهدم الدستور ويعطل الحياة الدستورية كما يقال الآن على موقف الداعين إلى المقاطعة، وهي في جورها امتناع عن التصويت في عملية انتخابية لم تتوفر لها شروط الجدية النزاهة واحترام رأي الموطن وتقدير صوته.

المقاطعة موقف سياسي، وهي قبل أن تكون موقفاً سياسياً هي موقف شعبي، وأستغرب جداً كل هذا التهويل والعويل على موقف بعض القوى السياسية الداعية الى “المقاطعة”، رغم أًن مقاطعة الانتخابات موقف شعبي قبل أن تكون موقفا سياسيا، فأكبر مشاركة شعبية في تاريخ مصر كانت في انتخابات 2012 الرئاسية، ولم تتعد نسبة المشاركة أكثر من 46%، وفي جولة الإعادة التي كانت أكثر استقطاباً وصلت إلى 51%، وفي انتخابات 2014 لم تتعد المشاركة نسبة 47% رغم أنها مُدت ليوم ثالث زيادة على اليومين المقررين للانتخابات، الشعب يقاطع حين يشعر أن صوته لا يقرر؛ والناس تقاطع لترسل رسالتها البليغة لمن يريد أن يفهم.

لقد عانينا طويلاً من تغييب السياسة وتعييبها على ألسنة الحكام ومنافقيهم، ولقد تمثل الخطر الأكبر على مجتمعاتنا في الاستبداد بالحكم، وبالسياسة يمكننا إزالة آثار الاستبداد، وهي المقدمة الطبيعية للقضاء عليه، وتغييب السياسة كانت نتيجته الطبيعية هو القضاء على المعارضة الوطنية، ما جرنا إلى نتائج كارثية، ليس أقلها افساح المجال إلى مسارب ومخاطر التغيير عبر العنف، وهو الخطر الأكبر الذي يتهدد بناء الدولة واستقرار المجتمع.