انتشار الثقافة المستقلة بالصعيد.. طموح الشباب يتحدى العوائق

لم تقف أحلام نشر الثقافة بصورتها الحديثة في الصعيد عند جدران قصور الثقافة وروتين الحكومة الذي دائمًا ما يعاني من قلة الوافدين لتلقي العلم ومواكبة الجديد من الكتب والقصص، ففي الوقت الذي أعلنت الحكومة عدة مرات تراجع نسب الإقبال على شراء الكتب وعدم الوصول إلى قطاعات عريضة من الجماهير بداعي “تطور التكنولوجيا” والإقبال على الكتب الإلكترونية، نجحت عدة كيانات شبابية مستقلة بالصعيد في الانتشار بشكل كبير بين أرجاء المحافظات، وحققت ما لم تحققه غيرها من الكيانات والمؤسسات التابعة والمدعومة من الدولة.

وظهر في العديد من محافظات الصعيد خلال السبع سنوات الماضية عدة كيانات شبابية تهتم بالثقافة والفنون ممتزجة بالقديم والحديث منها، ونجحت فعليًا تلك الكيانات، التي لم تتلق دعمًا ماديًا من أي جهات سواء حكومية أو خاصة، في الوصول إلى فئات مختلفة من المواطنين، وحققت انتشارًا كبيرًا في المدن والقرى؛ سواء من خلال المعارض التي يقيمونها باستمرار أو تخصيص مقرات ومكتبات ثابتة لهم، كونوها بشق الأنفس رغم إمكانياتهم المحدودة، وما يواجهونه من عوائق حكومية تُفرض عليهم في مقدمتها الضرائب وفواتير الماء والكهرباء لمحاسبتهم وكأنهم مراكز تجارية.

وأبرز الكيانات الشبابية التي حققت نجاحات ملموسة بين المواطنين “مكتبة ومضة” بأسيوط، التي استطاعت إنشاء مقر آخر لها بالوادي الجديد، ومكتبة “مجراية” بمركز ملوي جنوب المنيا، ومكتبة “قوص بلدنا” بقنا، ومؤسسة “ألوانات” للفنون بمدينة المنيا، إذ تعد تلك الكيانات أمثلة ناجحة لما حققه أبناء الصعيد في الأعوام الماضية وأدخلوا طرقًا لنشر الثقافة وفنونًا لم تكن موجودة من قبل.

من جانبها، التقت “البديل” ببعض مؤسسي تلك الكيانات التي أثرت بشكل ملحوظ في محافظات الصعيد مؤخرا؛ للوقوف على أوضاعها، فقال مصطفى كمال، مؤسس مكتبة “ومضة” بأسيوط، إن المكتبة أنشئت في يناير 2012 كمبادرة شبابية لتحقيق حلم أساسي وهو إثراء المناخ الأدبي والثقافي في صعيد مصر، وخلال السنوات التي تلت تأسيس المكتبة، استطاعوا خلق بديل ثقافي واعي يحترم عقول المواطنين، ويعمل على تنميتها من خلال مدها بطرق جديدة لاكتشاف الصنوف المختلفة من الفنون والآداب وتشجيع الناس على الانخراط في الأحداث الثقافية المختلفة.

وأضاف كمال أن دور المكتبة لم يقتصر على الكتب والقصص وتوفيرها للقراء فقط، بل نظموا عشرات الورش والأحداث الثقافية والمعارض الخارجية بقنا وسوهاج والواحات الداخلة، حتى تمكنوا مؤخرًا من افتتاح مقر دائم لهم في الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، مؤكدا أنهم يبذلون جهدًا كبيرًا لتوفير الكتب المنشورة في العالم العربي، التي نادرًا ما تصل إلينا لأسباب كثيرة تتعلق بضعف هياكل التوزيع الثقافي والنظرة المغلوطة لصعيد مصر باعتباره منطقة نائية تغوص في الجهل.

وعن أبرز التحديات التي تواجه الكيانات الشبابية المستقلة التي تهدف لنشر الثقافة في الصعيد، قال مؤسس “ومضة”، إن أبرزها التمويل، في ظل التكاليف العالية التي يعانون منها في كل شيء حاليًا، بالإضافة إلى معاملة الحكومة لتلك المراكز الثقافية على أنها تجارية بحته، وفرض ضرائب وفواتير مياه وكهرباء عالية جدا تزيد على الخمسة آلاف جنيه شهريًا في بعض الأحيان، رغم أنه من المفترض أن يتم معاملة المنارات الثقافية معاملة خاصة، لاسيما أنها كيانات غير هادفة للربح، لافتا إلى أن تنمية مواردهم بشكل بسيط يساعدهم على الاستمرارية ونشر العلم.

وتابع كمال: “أبرز ما يميز غالبية الكيانات المستقلة حاليًا، استحداث أساليب جديدة لنشر الثقافة، يأتي في مقدمتها العمل طوال العام حتى خلال الأعياد، والعمل على جذب المواطن غير المُثقف أولًا، وإقناعه بأساليب حديثة لتشجيعه على القراءة، وضمان توسع الطبقة المثقفة، مع عمل العديد من الندوات وحفلات توقيع الكتب لكبار الكُتاب، وبيع كتب أخرى بأسعار مخفضة تصل إلى جنيهين فقط كل شهر، وكذا عمل أنشطة ترفيهية، وتخصيص أماكن للجلوس والقراءة لدينا، والاستعارة والبيع، فكل ما يريده المواطن للقراءة متاح، وهذا سر نجاح كياناتنا الشبابية في الصعيد”.

في السياق ذاته، قال حمادة زيدان، مؤسس “مجراية” التي تضم مكتبة لبيع واستعارة الكتب ومسرح ونادي للسينما، إن حلم تأسيس ذلك الكيان راوده طوال حياته؛ إذ تعد “مجراية” مساحة ثقافية وفنية خاصة بدايتها كانت في نوفمبر ٢٠١٤ في حارة القسيس بقاعة وحيدة لم تتجاوز ٤٠ مترا، شملت مكتبة بيع واستعارة وقاعة للبروفات والفعاليات، مضيفا: “نظمنا خلال هذا العام بالعديد من الفعاليات منها نادي السينما، ونادي الأدب، رغم إمكانياتنا المحدودة، بالإضافة للعديد من الأحداث الأخرى التي كانت تجرى جميعها بشكل مجاني، منها أمسيات شعرية وفنية، وحفلات توقيع، ومونودراما، وورش مجانية، وتعاونا مع مع بعض الفرق المسرحية المستقلة لتنظيم مهرجان مسرحي كان في السينما القديمة التي أغلقت بسبب الإرهاب منذ سنوات عدة، وعمل عدة فاعليات مسرحية لأول مرة في ملوي، وحضرها ما يقرب من ١٠٠٠ مشاهد في ظاهرة فريدة”.

أوضح زيدان: “أحلامنا والمجموعة الشبابية التي معي لم تتوقف، رغم ضعف الماديات، واستمرينا في التوسع، ففي العام الثاني من مجراية قررنا الاعتماد على أنفسنا وتنمية مواردها ذاتيًا كداعمين، وشاركنا أحد الشباب، الذي دعم بكورسات فنية مدفوعة الأجر، قدمنا من خلالها مهرجانًا مسرحيًا، حتى تمكنا من التعاون مع معهد جوتة الألماني، وقدمنا مسرحيات لكتاب عالميين لأول مرة في كافي، إلى أن أقمنا خلال العام الماضي الدورة الأولى لمعرض ملوي للكتاب الذي حضره العديد من الكتاب والفنانين أمثال عمر طاهر محمد عبد النبي وغادة عبدالعال، والعمل لأول مرة مع الأطفال بمقابل مادي وبمعسكر فني بعنوان نادي شخابيط، الذي اهتم بالمسرح والرسم والموسيقى للأطفال، وانتهى بحفل مسرحي وفني كبير وحضر من الأطفال في حدود ١٥٠ حتى الآن، بالإضافة إلى افتتاح مسرح مجراية الذي يعتبر أول مسرح مستقل بمدينة ملوي وتم عرض أكثر من ٨ عروض حتى الآن”.

أكد مؤسس مجراية، أن المراكز الثقافية المستقلة تسري بأحلام وإيمان صناعها وروادها ومتطوعيها بشكل يفوق قدرات الموظفين الحكوميين، فمعظم الكيانات الثقافية التابعة للدولة طموح العاملين بها، الحصول على راتب آخر الشهر، وأن يأتي دون خصومات، ولذلك فإن الكثيرين لا يشعرون بدورها بشكل ملموس، أما الكيانات الثقافية المستقلة لن تكف عن دعم السوق المتعطش للفن، مؤكدا أن الدعم المادي يحول دون تحقيق العديد من طموحاتهم، مشيرًا إلى أنهم يعيشون في مدينة تجارية غير مهتمة إلا بالقافلة وليس الثقافة، لكن أحلامهم هي التي تدفعهم للاستمرار.