بعد تقارب الكوريتين.. واشنطن تسعى لتخريب العلاقات

تحسن سريع طرأ على العلاقات السياسية بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، وصل إلى حد توجيه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، الشكر لنظيره الجنوبي مون جيه إن، وتوجيه الدعوة إليه لزيارة بيونج يانج، وهو تطور في العلاقات جعل الولايات المتحدة الأمريكية تستشيط غضبًا، وتحاول بكل ما تملك من قوة ونفوذ سياسي دق إسفين بين الكوريتين.

تقارب غير مسبوق

عبر زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، أمس الثلاثاء، عن رضاه وامتنانه لكوريا الجنوبية، وذلك بعد تلقيه تقريرًا مفصلًا من شقيقته النائبة الأولى للجنة المركزية لحزب العمال الحاكم، كيم يو جونج، التي زارت كوريا الجنوبية مؤخرًا على رأس الوفد الأوليمبي الرفيع المستوى، وكان التقرير حول نتيجة زيارة الوفد إلى سيول، حيث دعى جونج أون، إلى مواصلة المزاج التصالحي والحوار، وقال كيم: المهم هو مواصلة المزاج التصالحي والحوار الذي جاء نتيجة لإرادة قوية مشتركة بين الكوريتين، وتطويره إلى نتيجة مميزة بصورة مستمرة، وأمر الزعيم الكوري الشمالي بـ”وضع تدابير ملموسة لتحسين العلاقات بين الكوريتين في المستقبل”، وعبر كيم، عن رضاه وامتنانه للجانب الكوري الجنوبي، لاهتمامه بتأمين نشاط وفد الكوريين الشماليين في دورة الأولمبياد الشتوية، وسعيه لتوفير التسهيلات اللازمة”.

تصريحات الزعيم الكوري الشمالي، تعتبر خطوة جديدة في طريق تحسين العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الكوريتين، وتأتي بعد انفراج ملحوظ في العلاقات بينهما، وقد بدأت حلحلة الأزمة بمشاركة بيونج يانج في الألعاب الأولمبية الشتوية في “بيونج تشانج” التي انطلقت الجمعة الماضية، بوفد رفيع المستوى على رأسه شقيقة زعيم كوريا الشمالية، إضافة إلى رئيس مجلس الشعب الأعلى كيم يونج نام، ورئيس لجنة الإرشادات الرياضية الوطنية تشوي هوي، ورئيس لجنة إعادة التوحيد السلمي لكوريا ري سون كوون، وقد تم استقبال الوفد باهتمام بالغ من جانب كوريا الجنوبية، حيث كان في استقباله عند وصوله إلى مطار “إنتشون الدولي” وزير الوحدة الكوري الجنوبي جو ميونج جيون، ونائبه تشون هيه سونج، والنائب الثاني لمستشار الأمن الوطني للمكتب الرئاسي نام كوان بيو، لينتقل الوفد سريعًا إلى القصر الرئاسي ليستقبله رئيس كوريا الجنوبية، واستمرت الزيارة 3 أيام.

خلال الزيارة سلمت شقيقة زعيم كوريا الشمالية دعوة رسمية من شقيقها إلى نظيره الكوري الجنوبي مون جيه إن، لزيارة بيونج يانج، في أقرب وقت ممكن، وأفادت وكالة الأنباء اليابانية “كيودو” بأن رئيس كوريا الجنوبية وعد بزيارة بيونج يانج، لدى توفر الظروف الملائمة، فيما رجحت مصادر كورية جنوبية أن يكون تاريخ الزيارة 15 أغسطس القادم، الذي يصادف ذكرى تحرير كوريا من الاحتلال الياباني.

في ختام دورة الألعاب الأوليمبية، هنأ رئيس الوفد الكوري الشمالي، رئيس كوريا الجنوبية بافتتاح دورة الألعاب، وشكره على إتاحة الفرصة لعقد الاجتماع بينهما، فيما اعتبر رئيس كوريا الجنوبية أن زيارة الوفد الكوري الشمالي كانت حافزًا لاستعادة العلاقات بين الكوريتين والسلام في شبه الجزيرة الكورية، كما شكر الزعيم الجنوبي نظيره الشمالي على رسالته والخطوات المتخذة لإرسال الوفد إلى الألعاب الأولمبية، وأعرب الطرفان عن رغبة مشتركة في الحفاظ على مناخ السلام والمصالحة في شبه الجزيرة الكورية، والذي بدأ بدورة الألعاب الأولمبية، وتكثيف التعاون والحوار بين الشمال والجنوب.

أمريكا تتورط بين الشد والجذب

تحسن العلاقات بين كوريا الشمالية وجارتها الجنوبية يضع الولايات المتحدة الأمريكية في ورطة مواجهة خصمين بدلًا من واحد، ليكون أمامها إما الخضوع لبيونج يانج والجلوس على طاولة مفاوضات دون شروط مسبقة، أو التعنت وممارسة سياستها العنجهية في مواجهة كوريا الشمالية والسير وحيدة في طريق مواجهة الأخيرة بعد تخلي سيول عنها، الأمر الذي دفع واشنطن لدق إسفين بين الكوريتين لمنع العلاقات من التطور أكثر ووصولها إلى حد الزعماء بعد أن أصبحت وشيكة للوصول إلى ذلك.

ظهرت المحاولات الأولى للولايات المتحدة قبل يوم من انطلاق دورة الألعاب الشتوية، حيث استقبل رئيس كوريا الجنوبية مون جاي، نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، وحينها هنأ بنس، كوريا الجنوبية على استضافة دورة الألعاب، وحرص على تأكيد ما أسماه “الدعم الأمريكي لسيول في مواجهة التهديدات النووية لكوريا الشمالية”، قائلًا: إن عزمنا على الوقوف إلى جانبكم لا يتزعزع، كما حرص نائب الرئيس الأمريكي على المشاركة في فعاليات رمزية تهدف إلى إلقاء الضوء على برنامج كوريا الشمالية النووي وانتهاكات حقوق الإنسان، وقال خلالها إن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان متفقون تمامًا على عزل كوريا الشمالية اقتصاديًا ودبلوماسيًا بسبب برنامجها للأسلحة النووية، وأضاف أن “رئيس كوريا الجنوبية أوضح تمامًا أن تخفيف الضغط عن بيونج يانج مرتبط بشروعها في اتخاذ خطوات لنزع السلاح النووي”.

وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس، دخل على خط التحريض الأمريكي ضد كوريا الشمالية، فزعم الأحد الماضي، أن دفء العلاقات بين الكوريتين لن يدق إسفينا بين واشنطن وسيول، وأوضح أنه من السابق لأوانه معرفة إن كان الانفراج الدبلوماسي في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية سيؤدي إلى نتائج، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة لن تؤثر على علاقات واشنطن مع كوريا الجنوبية.

مهمة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، لم تنته بانتهاء دورة الألعاب الأوليمبية، بل دخل بعض المسؤولين الأمريكيين على خط التحريض أيضًا، فيما يلوحون في الوقت نفسه بورقة إجراء مفاوضات سياسية مع بيونج يانج، وقال وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، أمس الإثنين، إن الباب مفتوح للحوار مع كوريا الشمالية، مؤكدًا أن الأمر سيكون متروكًا لبيونج يانج لتقرر متى ستكون جاهزة.

في ذات الإطار، عاد نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، لخفض حدة لهجته التي تبناها في كوريا الجنوبية بشأن عزل بيونج يانج، وألمح أمس الإثنين، إلى احتمال عقد حوار مباشر مع كوريا الشمالية، وقال إن بلاده وكوريا الجنوبية اتفقتا على شروط لمزيد من التواصل الدبلوماسي مع الشمال، أولًا مع سيول، وقد يؤدي ذلك في ما بعد إلى محادثات مباشرة مع واشنطن دون شروط مسبقة، ولفت المسؤول الأمريكي في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست”، إلى أن بلاده ستواصل أقصى حملة ضغط على بيونج يانج، لكنها ستكون منفتحة على أي محادثات محتملة في الوقت نفسه.

سيول في وضع حرج

في الوقت نفسه تقف كوريا الجنوبية في حيرة من أمرها، خاصة بعد الدعوة التي تلقاها رئيسها من الزعيم الكوري الشمالي لزيارة بيونج يانج، فسيول لا تريد عودة الأزمة مع جارتها الشمالية إلى نقطة الصفر بعد أن قطعت أشواطًا في طريق تحسين العلاقات بينهما، وفي الوقت نفسه لا تريد إغضاب حليفتها الأمريكية التي تبتزها بشكل كبير بسبب الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تقدمه لها، الأمر الذي يجعل سيول في موقف محرج يجب أن تحسمه في المستقبل القريب، وقد يظهر ذلك في قرار كوريا الجنوبية قريبًا إما تلبيه دعوة الزيارة التي وجهتها لها زعيمتها الشمالية وبالتالي الاستمرار في طريق تحسين العلاقات، أو رفض هذه الزيارة والعودة إلى الصفر.