توتر روسي أمريكي في سوريا.. لمن تنحاز تركيا؟

التدخل العسكري المتأخر للولايات المتحدة في سوريا، سيلقي بتداعياته على حسابات واشنطن مع قوى عالمية كبرى متواجدة على الأرض، مثل روسيا، وإقليمية كتركيا، فأمريكا (أوباما) فضّلت تحاشي التدخل العسكري في سوريا والعمل على تزكية الحرب بالوكالة، بينما أمريكا (ترامب) مندفعة وبتهور لدخول الوحل السوري.

التواجد الروسي في سوريا، أحد أهم أهدافه، منع تقسيم الجغرافيا السورية، التي تشكل عمقًا استراتيجيًا لروسيا حتى شواطئ البحر المتوسط، فيما تسعى واشنطن في الوقت الراهن إلى فتح أجندة التقسيم على مصرعيها، فالولايات المتحدة لا تخفي نواها في تشكيل حراك انفصالي كردي شرق الفرات.

أمس، قال وزير خارجية روسيا، سيرجي لافروف، إن واشنطن تسير نحو تقسيم سوريا، وكشف في مناسبات سابقة، أن واشنطن تخلت عن التأكيدات التي أعطتها لموسكو بشأن الهدف من وجودها في سوريا من دون دعوة، كان لهزيمة داعش، لكنها باتت تقول الآن إن وجودها سيستمر حتى تتأكد من انطلاق التسوية السياسية التي يريدون منها تغير النظام في سوريا.

كلام لافروف حول واشنطن أعقبه تصعيد عسكري أمريكي في الشرق السوري، حيث قال التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في سوريا، إنه نفّذ غارات شرقي نهر الفرات على قوات موالية للحكومة السورية التي تدعمها موسكو، في أعقاب ما وصفه بهجوم غير مبرر على قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن.

حليف واشنطن في المنطقة، إسرائيل، بدأت أيضا بتصعيد عسكري على دمشق؛ فبالأمس صدت وسائط الدفاع الجوي السورية غارة إسرائيلية على أحد المواقع السورية في بلدة جمرايا في ريف دمشق، وأتت الغارة الصهيونية غداة تصريح من رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، من الجولان المحتل، بأن كيانه مستعد لكل سيناريوهات.

ومع التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا، تتوجه الأنظار نحو تركيا، حليف واشنطن القديم عبر بوابة الناتو، وحليف موسكو الجديدة عبر بوابة مشاريع الغاز، حيث تحركت أنقرة بالأمس تجاه طهران من خلال زيارة مفاجئة أجراها وزير خارجيتها إلى طهران، تشي بأن أنقرة أقرب لموسكو من واشنطن في الحرب السورية.

ومن طهران، أكد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أن العمليات العسكرية التركية شمال سوريا مؤقتة، مشددًا على أن بلاده لا تطمع بالأراضي السورية، وخلال لقائه بالرئيس الإيراني، حسن روحاني، رأى أن أحد أهداف المؤامرات الأمريكية في المنطقة التأثير في الصداقة الإيرانية والتركية.

من جهته، شدد الرئيس الإيراني حسن روحاني، على ضرورة مواصلة محاربة الإرهاب والنزعة الانفصالية في المنطقة، مؤكدًا أن تعزيز العلاقات الأخوية مع تركيا من أساسيات سياسة إيران الإقليمية، وأضاف أن العلاقات الثلاثية بين إيران وتركيا وروسيا مهمة للغاية لحل القضايا الإقليمية.

وطالما قدمت أنقرة العديد من الخدمات لواشنطن في الأزمة السورية، فلولا تركيا لما دخلت جحافل الإرهاب المدعومة أمريكيًا إلى سوريا، إلا أنها خلال السنوات القليلة الماضية، لعبت أدوار كبيرة لصالح الدولة السورية؛ بدايةً من معركة حلب، إلى بعض أماكن تخفيض التوتر التي حصلت على أكثر من محور، كما عززت أنقرة الحلول الروسية في سوريا على حساب الأمريكية من خلال تنشيط تفاهمات أستانا وسوتشي، على حساب جنيف وفيينا.

التشيك في التحركات التركية في سوريا مازال قائمًا، لكن خلال الفترة الحالية، لا يمكن القول بأن هناك تقاربا تركيا أمريكيا في سوريا، فالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، طلب من واشنطن الخروج من منبج السورية، الأمر الذي رفضته واشنطن، ويبدو أن أردوغان بات بين السندان الروسي الذي يطالب أنقرة بفاعلية أكبر في نقاط التوتر في إدلب، على خلفية إسقاط مسلحي إدلب للمقاتلة الروسية، وبين مطرقة واشنطن، حيث دمرت وحدات قوات الشعب الكردية المدعومة أمريكيًا دبابة تركية.

الزيارة التركية لإيران، تأتي بعد يوم واحد على إعلان الجيش السوري نشر مضادات طيران في المناطق الشمالية لسوريا، وهي المنطقة التي تنشط فيها المقاتلات التركية بسبب حربها المتعثرة في عفرين السورية ذات الأغلبية الكردية، ومن هنا، يبقى انحياز أنقرة لموسكو أكبر وأعمق على أي تقارب لها مع واشنطن، فالأخيرة تسعى إلى تشكيل جيشٍ يقوده الأكراد، وتعمل على تقوية الأكراد شرق البلاد، الأمر الذي يهدد تركيا، ويحفز الأكراد الأتراك على سلوك انفصالي موازي، ويبدو أن التصريحات التركية التي تتهم فيها واشنطن بأنها تسعى لتخريب علاقة تركيا بروسيا وإيران، ستدخلها في حيز الغريم اللدود لواشنطن، الأمر الذي قد يغلق الباب ولو مرحليًا أمام المرونة التركية في التقارب أو الابتعاد عن أمريكا.