رغم اتهامه بالانقلاب.. قوش يعود لرئاسة المخابرات السودانية

في خطوة مفاجئة أصدر الرئيس السوداني عمر البشير، الأحد الماضي، قرارًا جمهوريًّا بتعيين الفريق صلاح عبد الله صالح، الشهير بالـ”قوش”؛ مديرًا عامًّا لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، خلفًا للفريق محمد ﻋﻄﺎ.

وجاء خبر إقالة العطا وتعيين قوش على وكالة الأنباء السودانية الرسمية، دون تفاصيل إضافية، وتقول مصادر سودانية إن إقالة العطا جاءت على وقع حملة قمع، استهدفت التظاهرات المعارضة لارتفاع أسعار المواد الغذائية، حيث تقود السلطات الأمنية في السودان حملة قمع لتظاهرات معارضة، اندلعت في بداية العام الجاري؛ احتجاجًا على ارتفاع أسعار السلع الغذائية وفي مقدمها الخبز، واندلعت الاحتجاجات بعد ارتفاع سعر كيس القمح زنة 50 كيلو جرام من 9 دولارات إلى 25 دولارًا أمريكيًّا، لكن قوات الأمن فرقتها سريعًا في الخرطوم وعدد من المدن السودانية.

وعلى جميع الأحول قد لا تأتي المفاجأة في إقالة العطا، ولا في حيثيات الإقالة إذا ما كانت بسبب القمع، فالمعارضة السودانية ترى في عودة الفريق قوش عودة إلى سياسة القبضة الحديدية في سياق من المظاهرات الشعبية ضد غلاء المعيشة، وأمام معارضة البعض داخل النظام لسيناريو تعديل الدستور وإعادة ترشح البشير لفترة رئاسية جديدة في عام 2020.

ولكن المفاجأة تأتي في تولي قوش لهذا المنصب الحساس، فخلال مشواره العملي تعرّض قوش للإطاحة من منصبه مرتين؛ أولاهما كانت في أغسطس 2009 عندما أُقيل من منصبه كمدير عام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، وعين مستشارًا للبشير، فيما عين نائب مدير الجهاز الفريق محمد عطا المولى عباس مديرًا لجهاز المخابرات خلفًا له، في مرسوم جمهوري خلا من أي حيثيات.

وبعد فترة من تولي قوش منصبه الجديد كمستشار للرئيس السوداني، أصدر البشير قرارًا بإقالته من ذلك المنصب في 2011، حينها عللت بعض المصادر السودانية سبب الإقالة بأن قوش لم يعد “لاعبًا مسؤولاً” في فريق، بل “سياسيًّا” يلعب وحده، لذلك كان قرار الرئيس بأن قوش “لم يعد صالحًا ليكون واحدًا من منظومة الرئاسة”.

وفي نوفمبر 2012 ألقى جهاز الأمن والمخابرات القبض على مديره السابق صلاح قوش؛ على خلفية الاتهام بالمشاركة في محاولة انقلابية تخريبية، ليقبع على أثرها في السجن قرابة 8 شهور، ويطلق سراحة في يوليو 2013، بعد تبرئته من تهمة الضلوع في محاولة الانقلاب على نظام البشير، وأُلغي الحظر على أرصدة حساباته الشخصية وحسابات 3 شركات كان مُساهمًا فيها، وتقول مصادر أخرى إن قوش خرج من السجن بعفو رئاسي.

وجود قوش مجددًا في منصب المخابرات السودانية قد يفتح ملف تصفية الحسابات مع خصومه في الداخل، فبعد خروجه من السجن قال إن “الادعاء أسقط التهم الموجهة له لنقص الأدلة “، وشكر البشير، وقال “سنقابل إحسانه بإحسان أكبر منه”، مُتهمًا شخصيات بالحكومة لم يُسمِّها بأنها سعت للوشاية به إلى القيادات العليا بالدولة.

عودة قوش في هذا التوقيت لها العديد من الدلالات، خاصة أن الخرطوم في الآونة الأخيرة تسعى لتطوير علاقاتها بواشنطن، وقد لا تجد الخرطوم أفضل من قوش لهذه المهمة، فعلاقاته معروفة وقديمة مع الولايات المتحدة، حيث كان مهندس التعاون الأمني ضد الإرهاب بين الخرطوم والولايات المتحدة بعد هجمات أيلول سبتمبر 2001، وصولاً إلى دوره في المفاوضات السودانية – الأمريكية الأخيرة، التي قادت إلى رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على نظام البشير.

في عام 2005 أكدت مصادر إعلامية تابعة لهيئة الإذاعة البريطانية قوة العلاقة بين قوش ووكالات الاستخبارات الغربية، لا سيّما وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه”، كما أكد وزير الخارجية السوداني السابق، مصطفى عثمان إسماعيل، أن هناك تعاونًا استخباراتيًّا بين واشنطن والخرطوم، دفع سي آي إيه إلى الاعتراض بشدة على إدراج اسم قوش ضمن المتهمين بارتكاب “جرائم حرب” في دارفور؛ بسبب تعاونه الأمني مع الأمريكيين، ولكن في نهاية المطاف تم إدراج اسمه في هذه القائمة.

وتعرضت سي آي إيه، إثر تعاونها مع قوش لحملة إعلامية ضارية في الولايات المتحدة، ليس بوصفه مجرم حرب فحسب، بل بسبب علاقته مع مؤسس تنظيم القاعدة، حيث قال جون برنبيرج المستشار السابق للرئيس الأسبق بيل كلينتون: “كنا نعرف أن قوش هو المرافق اللصيق لأسامة بن لادن خلال وجوده في الخرطوم من 1990 إلى 1996، وهو الذي ساعده على إنشاء مشاريعه التجارية والمالية”.

ويرى بعض المحللين أن تعيين قوش في هذا المنصب قد يعكس انفتاحًا سودانيًّا مع المحور المصري والإماراتي، حيث يأتي تعيين الفريق قوش بعد عودته من القاهرة، وقد رأس وفدًا أمنيًّا سودانيًّا، وهو على عكس بقية القيادات الإسلامية السودانية حافظ على علاقات جيدة بمصر، كما أنه كان يملك مكتبًا لإدارة الأعمال في دبي.

وينتمي قوش لقبيلة الشايقية التي تقطن شمال السودان، وترعرع بمدينة بورتسودان، ودرس الهندسة وعمل فيها لفترة، ولكن بعد تولي مجلس قيادة ثورة الإنقاذ السلطة عام 1989، تحول للعمل الاستخباراتي. أما وصفه بمجرم حرب يعود لاتهامات جماعات حقوقية له بلعب دور في انتهاكات بإقليم دارفور.