رهان التسوية المزيفة.. عباس يبحث عن «وسيط نزيه» في روسيا

 

لا يزال الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، متمسكًا بخيار المفاوضات، رغم أنها أثبتت عدم جديتها، بل يستغلها الاحتلال لكسب المزيد من الوقت لممارسة الانتهاكات وفرض الأمر الواقع على الأراضي الفلسطينية، لكن عباس يصر على البحث عن وسيط نزيه لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، متجاهلًا الأجواء المشتعلة داخل الأراضي المحتلة، والعمليات الموجعة التي تنفذها فصائل المقاومة في مواجهة انتهاكات الاحتلال الصهيوني وغطرسته.

وصل الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أمس الأحد، إلى روسيا في زيارة رسمية يلتقي خلالها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حيث كان من المقرر عقد اللقاء بين الرئيسين في مدينة سوتشي، لكن خرج الكرملين قبل ساعات، ليعلن أن بوتين قرر لقاء الرئيس الفلسطيني في موسكو، على خلفية حادث تحطم الطائرة “أن-148” الروسية في موسكو ومقتل 72 شخصا كانوا على متنها.

وقال السفير الفلسطيني لدى روسيا، عبد الحفيظ نوفل، إن زيارة عباس إلى روسيا بالغة الأهمية، وتأتي في إطار مساعي الرئيس لاستكمال حواراته مع قيادات دول العالم للعمل على إيجاد وسيط نزيه في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وذكر أن زيارة عباس إلى روسيا مهمة كونها تأتي في ظل ظروف بالغة التعقيد، خاصة أن المنطقة تغلي بالأحداث الكبيرة والتطورات المتصاعدة والمتلاحقة نتيجة الإعلان الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، بالإضافة إلى تصعيد الإجراءات العسكرية في القدس وباقي المناطق الفلسطينية.

وأضاف السفير الفلسطيني، أن هذه الأحداث تشكل تربة خاصة للحديث مع الجانب الروسي في مختلف القضايا، مؤكدًا في السياق ذاته، أن عباس أعلن أن الولايات المتحدة غير مرحب بها في لعب دور الوساطة مع الجانب الإسرائيلي، نتيجة انحيازها لتل أبيب.

وتأتي زيارة عباس إلى روسيا في الوقت الذي يتم الحديث فيه عن تشكيل آلية متعددة الأطراف تنبثق عن دول متعددة لإدارة مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلي، وهو ما قاله الرئيس الفلسطيني خلال لقائه مع إلى رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الذي زار رام الله قبل يومين، حيث جدد عباس التأكيد على موقفه من المفاوضات قائلًا: لم نرفض المفاوضات يومًا، وكنا وما زلنا على الاستعداد لها، مضيفًا: إن تشكيل آلية متعددة الأطراف تنبثق عن دول متعددة هي السبيل الأمثل لرعاية هذه المفاوضات.

أوروبا تحبط عباس

يبدو أن الرئيس الفلسطيني لم يدرك بعد وهم الرهان على إمكانية التسوية مع إسرائيل، حيث باتت القدس وفقًا للأمر الواقع الذي فرضته أمريكا، وتعاملت معه بعض الدول الأوروبية، وسلمت به بعض الدول العربية، عاصمة للكيان الصهيوني، الأمر الذي يعني أنه لم يعد هناك أرضية لتسوية عادلة، وفق مفاهيم اتفاق أوسلو من العام 1993على الساحة الفلسطينية، وأن الدعوة إلى مفاوضات فلسطينية-إسرائيلية جديدة تعني عمليًا إقرارًا فلسطينيًا بصيغة تصفية القضية الفلسطينية التي تحاول أمريكا وحليفها الصهيوني فرضها على الأرض، إلا أن الرئيس الفلسطيني مازال يتنقل من فرنسا إلى روسيا مرورًا بالاتحاد الأوروبي بحثًا عما يسميه “وسيط نزيه”.

روسيا قد تكون الخيار البديل للرئيس الفلسطيني عن فرنسا، التي عقد عباس آمالًا عليها في أن تكون وسيطًا بديلًا لأمريكا، لكن يبدو أن الطرفين لم يصلا إلى اتفاق محدد، أو على الأرجح فضلت فرنسا النأي بنفسها عن التورط في صراع بين السلطة الفلسطينية وأمريكا، حيث سبق أن زار الرئيس الفلسطيني باريس مرتين متتاليتين في أقل من شهر؛ أولهما كانت في 22 ديسمبر الماضي، عقب اتخاذ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قراره باعتبار القدس عاصمة للاحتلال، فيما جاءت الزيارة الثانية في 23 يناير الماضي، في إطار جولة أوروبية شملت فرنسا وبروكسيل، والتقى خلالها الرئيس الفلسطيني وزراء خارجية الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي الزيارة التي عقدت عليها القيادة الفلسطينية آمالًا في انتزاع اعتراف أوروبي بدولة فلسطين، وحث فرنسا على إطلاق مبادرة سلام بديلة عن التي أطلقتها أمريكا والمسماه بـ”صفقة القرن”.

ويبدو أن فرنسا تخلت عن عباس وأحبطت خطته، حيث أكدت مصادر دبلوماسية أوروبية لصحيفة “الحياة اللندنية”، أن الاتحاد الأوروبي طلب من الرئيس محمود عباس، خلال استقباله في بروكسيل، التريث وعدم الانسحاب من العملية السياسية، والانتظار لحين معرفة تفاصيل الخطة الأمريكية المقبلة، وعدم مقاطعة الإدارة الأمريكية، وعدم تطبيق قرارات المجلس المركزي الأخيرة في شأن إلغاء الالتزامات الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو وتجميد الاعتراف بإسرائيل ووقف التنسيق الأمني معها وغيرها.

السلطة تلهث وراء سراب

اللهث الفلسطيني وراء إنعاش المفاوضات السياسية مع الاحتلال الصهيوني، والتي أثبتت على مدار أكثر من 20 عامًا فشلها الذريع، نظرًا لكون الاحتلال لا يحترم الاتفاقيات والمعاهدات، ولا يقيم قدرًا للتوصيات أو القوانين أو الأعراف الدولية، يثير استفزاز العديد من المتابعين للأوضاع في الأراضي الفلسطينية، خاصة بعد اشتعال الهبة الفلسطينية مجددًا بعمليات طعن أوجعت الاحتلال وأصابته في مقتل، فلماذا لا تنضم السلطة الفلسطينية إلى صفوف المقاومة في مواجهة الاحتلال الصهيوني، ولماذا لا تعود حركة فتح إلى الكفاح المسلح الذي تبنته منذ عقود؟ ولماذا يُصر الرئيس عباس في كل مناسبه على التباهي بالتزامه بالحل السياسي والمفاوضات مع كيان لا يحترم أي تعهدات؟ ولماذا تُصر السلطة الفلسطينية على التنسيق أمنيًا مع العدو الصهيوني وتسليم المقاومين كفريسه له؟

من جانبها، اعتبرت فصائل فلسطينية اليوم الاثنين، أن محاولة السلطة إحياء مسار التسوية مع الاحتلال الإسرائيلي مجددًا، بمثابة إعادة تجربة أثبتت بالدليل القاطع فشلها على مدار 25 عامًا متواصلة، وجلبت السراب والوهم، وعبرت الفصائل عن رفضها لأية وسائل أو طرق للعودة لمسار التسوية، مطالبة في ذات الوقت بـ”ضرورة ابتعاد السلطة عن هذا الخيار الذي يرفضه كل قطاعات وقوى شعبنا، بما يلحق من أضرار واسعة”.

وقال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، أحمد المدلل، إن محاولة إحياء عملية التسوية يعبر بشكل جلي عن “الروح الاستسلامية” التي تسود السلطة، وخضوع رواد هذا الملف للقوى الصهيوأمريكية، وأضاف أن “البحث عن هذا المسار الذي أثبت فشله للقاصي والداني، يعطي دولة الاحتلال ضوءًا أخضر لاقتراف المزيد من الجرائم بحق شعبنا وتصفية القضية برمتها”، وأكد أن هذا النهج يرفضه كل الشعب الفلسطيني بقواه وشرائحه، بخلاف شخصيات باهتة في السلطة خارجة عن السياق الوطني الأصيل، ومعرفتها للطريق الأصيل والسليم لمواجهة الاحتلال ونزع الحقوق المغتصبة.