صلاح عبد الله لـ«البديل»: عندما يجوع الشعب يغيب العقل والمنطق.. وتطوير الخطاب الديني مسؤولية الأزهر (3-3)

صندوق النقد لم يدخل دولة إلا أحدث فيها ثورة.. وعندما يجوع الشعب يغيب العقل والمنطق

الرقابة على الأسعار ستخفض أشياء طفيفة.. ولو استرجعنا الأموال المنهوبة سوف نحل مشاكلنا الاقتصادية

هناك أناس فكرتهم عن تطوير الخطاب الديني أن كل شيء في الدين يهاجم

نستكمل مع د. صلاح حواره المفتوح، والذي طرحنا فيه أعقد القضايا التي تواجه مصر والمواطن، وتناولها ضيفنا بمنهجية وواقعية.. لم يكتفِ بالنقد أو التحليل، ولكن قدم من وجهة نظره حلولا واقعية ومنطقية، والآن نصل معه إلى الجزء الأخير؛ حتى يكون رأيه شهادة نقدمها للتاريخ على فترة عصيبة من تاريخ مصر.

الأزمة التي تؤرق كل بيت.. غول ارتفاع الأسعار؟

نتج عن تعويم العملة، وانخفاض قيمة الجنيه للثلث.. الجنيه أصبح 30 قرشًا، فطبيعي أن الأسعار تصل لثلاثة أضعاف ثمنها.

وكيف يمكن عمليًّا تحجيم ارتفاع الأسعار؟

لا يأتي إلا في حالة واحدة، الجنيه عليك أن تقبله على هذا، وعلى الحكومة أن تزيد المرتبات والدخول، بحيث تستطيع كمواطن أن تواجه هذه الزيادة.

إذًا لن يستطيع أن يحجم الزيادة؟

لن يستطيع.

ولكن يستطيع عمل رقابة على الأسعار.

الرقابة على الأسعار مطلوبة، وضبط الأسواق، وأن تكون هناك تسعيرة على السلعة، كما أن التاجر الذي يستغل يجب أن يحاكم، كل هذه إجراءات، ولكن كم ستخفض؟ ستخفض أشياء طفيفة. المشكلة هي أين؟ في جيبك جنيه قيمته ثلاثون قرشًا. البيضة كانت بجنيه أصبحت قيمته ثلاثين قرشًا، وبالتالي زاد سعر البيضة، فأصبحت بجنيه ونصف؛ إذًا أمامك أحد أمرين: إما أن يأتيك دخل دولاري ضخم جدًّا نتيجة اكتشافات غاز وبترول، بحيث يكثر الدولار عندك، ومن ثم ترتفع قيمة الجنيه المصري، فالأسعار تنخفض.

المفترض لأنهم قالوا إنهم اكتشفوا حقولا ضخمة؟

هذا كلام. الأمر الثاني أن تأخذ الأموال المنهوبة وتستخدمها في مشروعات لتزيد الإنتاجية، فترفع من قيمة الجنيه، فالأسعار تنخفض. أما خارج هذين الأمرين لا توجد حلول. ولكن في جميع الأحوال على الدولة إعادة جدولة الأجور والمعاشات لتتماشى مع هذه الزيادات.

لكن ظروف البلد لا تسمح. هذا هو الرد الطبيعي.

هكذا ستستمر الأزمة.

وما الذي يمكن أن تعمله الناس؟

صندوق النقد الدولي لم يدخل دولة إلا أحدث فيها ثورة؛ لأن الناس تجوع. الروشتة مبينة على ماذا؟ على قوانين اقتصادية معينة، هم لا شأن لهم المواطن يعيش أو لا يعيش، هذا ليس شغلهم، هذا دور السياسيين في البلد نفسها.

وهل مصر تتحمل ثورة جديدة بعد كل ما حدث؟

صندوق النقد الدولي يضع روشتة بناء على حسابات اقتصادية لا علاقة لها بالإنسان، وبالتالي أي دولة تطبق الروشتة كما هي بدون أن تراعي قدرات سكانها، تحدث فيها مشاكل أو ثورات، وتونس نموذج للمعاناة، وبالتالي المظاهرات خرجت مرة أخرى، بسبب روشتة الصندوق. الصندوق وقت اللزوم وحدوث مشاكل وثورات، يقول “نحن ننصح”؛ ليتملص من المسؤولية. وبالقطع مصر ليست في حمل أن تحدث بها ثورة جديدة، ولكن الجياع لا يحسبون الأمور؛ لأنه عندما تشتد الأزمة الاقتصادية، تفقد الناس عقولها، وبالتالي يحدث ما لا يمكن توقعه. المصريون صابرون ويعانون، لكن من غير الواضح إلى أي مدى سيستمر صبرهم؟ هذا هو السؤال المهم والذي يصعب التنبؤ به. الدولة لا تتحمل ثورة، ولكن عندما يجوع الشعب، يغيب العقل والمنطق، وتسود الفوضى؛ لذا لا بد أن تتخذ الإجراءات التي في صالح البلد.. لو انت شايف هييجي لك دخل دولاري من غاز أو اكتشافات، ماشي.. الناس ممكن تستحمل سنة واتنين، يعني فيه أمل. لو انت شايف العملية هتتأجل، يبقى لازم الحل التاني هات اللي نهبوا البلد، وخد فلوس واعمل مشروعات، وشغل الناس.

أزمة التعليم.. نسمع عن تجارب غريبة تنفذ في مصر.

أزمة التعليم سببها الوحيد هو الفقر. هم يريدون التخلص من مجانية التعليم، فعمالين يلفُّوا ويدوروا، وأنا اقترحت عليهم موضوعًا آخر.. بدل أن نتخلص من مجانية التعليم نجعل الموضوع قرضًا يسدد من دخل الخريج، بمعنى أن نحافظ على مجانية التعليم، وننشئ في كل كلية فرعًا لبنك الطلبة. البنك يدفع للطالب مصاريفه الدراسية والكتب، سواء غني أو فقير.

هنا أعطيت الطلبة جميعًا فرصًا متساوية دون فرق بين من يملك ومن لا يملك، وفي نفس الوقت حققت المساواة بينهم. أن يدفع الطالب القرض على 30 سنة أعتقد أنه مقبول جدًّا، وفي نفس الوقت ضمنت للجامعة تمويلاً ذاتيًّا، بحيث إنها تطور نفسها، وتطور دراساتها وأبحاثها، وتعطي مرتبات، وترتقي بمستواها إلى المستوى العالمي.

لكن هذا عبء على الدولة، وأيضًا من أين نضمن عمل الطلاب والدولة تعاني من البطالة؟

أولاً هو ليس عبئًا على الدولة؛ لأنها تدفع هذه الأموال، لكن لا تستردها؛ لذا تفكر في أن تلغي المجانية، وأنا أعطيك حلاًّ لتسترد ما تدفعه؛ كي يكون عبئًا. ثانيًا التعيينات تختلف من مكان لآخر

على فكرة المجانية كانت موجودة أيام الملك.

كان فيه، لكن أنت الآن في دولة فقيرة. وكان عدد الطلاب وقتها قليلاً. إمكانيات الدولة الآن لا تسمح بالإنفاق على المجانية، يبقى نعمل إيه؟ ما نلغيهاش، وإلا يبقى اللي معاه فلوس يتعلم، والفقير لا يتعلم، إنما نحافظ على المجانية، لكن الطالب بعد أن يتخرج، ويعمل، يسدد تكلفة تعليمه على 30 سنة. يعني دكتور مثلاً تخرج في كلية الطب، خد ست سنين، السنة مثلاً بـ50 ألف جنيه، يبقى 360 ألف جنيه، تقسم على 30 سنة.

ولكن هناك دستور ينص على مجانية التعليم.

الدستور فوق راسي من فوق، لكن لما ما يكونش معاك فلوس تدِّي ابنك مصروف الحل إبه؟ الحكومة ليست لديها أموال لتصرف على المجانية.. التعليم سينهار، يبقى لازم توجد آلية أخرى تحافظ على المساواة، وتخلي فيه فائض علشان التعليم. اليوم عندك ناس بتشتغل في كل العالم. لما يدفع 12 ألف جنيه في السنة يعني ألف جنيه في الشهر مقابل أن يتعلم ولا يحرم أفضل ولا تيجي تقول التعليم بفلوس وما عدتش قادر؟ والولد الذكي اللي مش معاه فلوس ما يتعلمش. أيهما أفضل: أن يساهم المتعلمون في الإنفاق على جامعاتهم، أم نلغي المجانية؟ استمرار المجانية في هذه الظروف صعب، فالمجانية حق، ولكن هذا الحق محتاج إلى قدرة، وإذا لم تكن هناك قدرة، فما الحل؟ ألغي المجانية، أم أبقي عليها؟ أنا مع الحفاظ على المجانية، ولكن مع الاسترداد بعد التخرج. أنت عامل حد أدنى وأعلى للأجور من 1200 إلى 40 ألفًا، يعني هناك من الخريجين من سيقبض 40 ألفًا في الشهر، لا أعتقد أنه صعب عليه أن يسدد 5 آلاف.

ولكن بنك الطلبة سيمثل عبئًا ماديًّا على الدولة، وأيضًا أزمة لمن لن يجد عملاً؟

أولاً لن يكون عبئًا على الدولة؛ لأنها في جميع الأحوال تنفق، ونحن سنعمل على استرجاع ما تنفقه، وثانيًا هل كل الخريجين سيظلون ثلاثين سنة لا يعملون؟ مستحيل. ممكن تعطي فترة سماح بعد التخرج.. سنة أو سنتين أو ثلاثًا، حتى يجد الخريج عملاً.. وممكن يكون الدفع متدرجًا.

وتعالَ نقسم الخريجين، هم أربعة أنواع: الأول من سيعمل في الحكومة، وهذا سيتم الخصم منه بمجرد عمله، والثاني من سيعمل في القطاع الخاص، وهذا سيطلب منه ورق من بنك الطلبة ضمن مسوغات تعيينه، ويتم الخصم، والثالث من سيعمل بالخارج، وهذا سيتم الخصم منه عند تجديد جواز السفر. أما الرابع، وهو من لا يعمل، ولن يعمل، فهذا لن يخصم منه، بل على العكس يستحق إعانة بطالة، وبهذا نكون حجمنا أزمة المجانية، ويصبح ما تنفقه الحكومة ولا يسترد أقل بكثير جدًّا مما تنفقه الآن؛ لأنه جميعه لا يسترد.

نختم بالموضوع الذي يمثل صداعًا مزمنًا.. تطوير الخطاب الديني.

يجب أن يقتنع علماء الدين أولاً بأن الخطاب الديني يحتاج إلى تطوير.. هذه مهمة جدًّا؛ لأنهم إن لم يقتنعوا، مهما فعلت لا فائدة. هذه نمرة واحد، نمرة اثنين تطوير الخطاب الديني ليس معناه الهجوم على الدين؛ لأن هناك أناسًا فكرتهم عن تطوير الخطاب الديني أن كل شيء في الدين يهاجم، وهذا غير صحيح. لماذا؟

أقول لك السبب.. لأن أبرز المُتصدِّين علمانيون ولا يؤمنون بالدين أصلاً.

نعم هناك أناس يقحمون أنفسهم، وأيضًا هناك أمور يتم إقحامها في الدين، إذًا الأزهر هو الذي يتولى هذه القضية، والمؤسسة الدينية لا بد من المحافظة عليها جدًّا، بدليل أنهم محافظون على الفاتيكان.

رغم أن نهضتهم كانت بالهجوم عليه.

مثلاً يعني، لكن تم الحفاظ على الفاتيكان؛ إذًا المؤسسة الدينية مطلوبة، ومطلوب أيضًا التطوير، ولكن ليس بالصورة التي تهاجم بها الدين، أو التي تريد تغيير بعض آيات القرآن، أو إلغاءات أو هذا الكلام. التطوير لا بد أن يتم بأسلوب علمي، لا يمس ثوابت الدين، ولا يمس ما أنزل الله في القرآن.أما بعد القرآن فاجتهادات شخصية.

والحديث؟

الحديث ما يثبت أنه صحيح يؤخذ، والمشكوك فيه يبعد؛ لأنه كما تعرف هناك إسرائيليات. يعني يجب مراجعة الحديث. أما القرآن فهذا هو الثابت.

هذه النقطة مهمة مراجعة الحديث على أساس صحته، لا على أساس موافقته لهوانا

لا لا طبعًا.. صحته التاريخية.. وبأسلوب علمي وممنهج: سليم أو مدسوس فقط. مش على أساس أنا موافق عليه ولا مش موافق عليه. الهوى الشخصي لا يدخل في الدين. هذه مسألة ثابتة.

هناك مشكلة كارثية تقابلنا وهي الخطباء الذين لا يفقهون شيئًا؟

هؤلاء تجمدوا عند مرحلة معينة؛ لذا قلت إن التطوير لا بد أن يتم من داخل مؤسسة الأزهر، ولا بد أن يقوم به علماء مقتدرون من داخل الأزهر. وأرى أن شيخ الأزهر رجل مستنير، وأتمنى أن يقدر أن يقوم بجهد طيب في هذا المجال.

والحل مع هؤلاء الخطباء الجهلاء؟

عندما يبدأ الأزهر التطوير من معاهد الدعاة، ستجد في خلال خمس سنين خطباء أكثر تفهمًا وتفتحًا وأكثر مرونة.. العملية لا بد أن تتم من المنبع. أنت تعد الدعاة يأسلوب علمي سليم، وتبعدهم عن الأشياء الجامدة التي ليست في صحيح الدين.