في ذكرى خلع مبارك

بعد سبع سنوات من خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك، ما يزال نزيف الدماء مستمرا، وتآكل شرعية النظام السياسي متواصلاً، والأزمة الاقتصادية تتفاقم، والمتاريس السياسية تكرس أوضاع الانقسام والاستقطاب، وظواهر الاحتجاج الشعبي تتعاظم في ربوع مصر، والجميع مصاب بداء إطالة النظر تحت الأقدام، أو يتحركون داخل الحذاء، لا خطوة واحدة إلى الأمام، ولا أحد على الساحة يبدو قادرا على تطوير مبادئ ثورة يناير إلى أفكار وبرامج وسياسات تنفيذية.

كأننا أمام إعلان جماعي عن فشل النخبة الحاكمة والمعارضة في العبور بالبلاد إلى مرحلة استقرار تمنح الفرصة لانطلاقة الورشة الوطنية للإصلاح الشامل على جميع الأصعدة، والنتيجة خاصة على كافة الأصعدة تكاد تكون كارثية وتنبئ بمزيد من التدهور، والصراع يدور حول عملية بناء نظام جديد على مقاس البعض، وعليها انقسم الوطن وتتناحر النخبة وتبقى الأزمة تراوح مكانها بدون حلول، رغم كثرتها بسبب غياب الإرادة وعجز الإدارة.

هكذا بدأت الأزمة المصرية، وهكذا استحكمت حلقاتها حتى أصبحت المهمة العاجلة هي وقف التدهور بينما كانت الآمال التي انبعثت مع ثورة يناير وخلع مبارك تصل بنا إلى عنان السماء.
**

المسلسل مصري جداً، والمخرج أراد أن تخرج المشاهد بعد الثورة حسب سيناريو يبدو أنه كان معد سلفاً، والذي يسترجع الوقائع حوتها أشرطة الفيديو، لاعتبرها النقاد فانتازيا سياسية صادمة، لا علاقة لها بالواقع، ولا يجوز تصديقها، واتهموا الكاتب بأن قصته مفككة، وغير مقنعة، لكنهم لا شك سيثنون على المخرج الذي صنع من الفسيخ شربات.

سيبدو واضحاً من تتابع الوقائع أننا أمام مخرج قدير، رغم ما قيل عنه وكتب أكثر من مرة أنها ليست حرفته، وأنه يجرب فينا من دون سابق خبرة ولا دراية بالعمل الفني، وستكتشف لو أنك مشاهد تجيد المتابعة، أن المخرج عالج بفنية عالية نواقص القصة، وصحح بحرفية واضحة عيوب السيناريو.

في الحلقة الأخيرة، وبعد أن تصاعدت الأحداث طوال الحلقات السابقة أراد المخرج أن تنحصر البطولة في فرسي رهان لا ثالث لهما، ويستطيع المشاهد أن يدرك بوضوح أن المخرج كان عاوز كده، وأن الايقاع الدرامي ظل يتطور في هذا الاتجاه من المشهد الأول الذي افتتح به المسلسل لكي يصل الى تلك النهاية.

وحين نتذكر المحطات الرئيسية خلال الفترة الزمنية التي يغطيها المسلسل على مدار سبع سنوات، سنكتشف ذلك الانحياز المتنقل للمخرج بين أبطاله ونجوم مسلسله، وسوف يتأكد لنا أن المخرج أراد أن يضع المشاهدين في حيرة من أمرهم أمام الخيار المر بين بطلين، كلاهما شرير، أحدهما لا تستطيع أن تتغافل عن الشر المتمكن منه خوفاً من أن تقع في براثن الشر الكامن في خصمه اللدود.

وإذا كنا مضطرين اليوم للكتابة عن المسلسل قبل أن يسدل عليه الستار، بعد أن أزيح البطلان من المشهد الذي لم يعد قادراً على استيعاب غير بطل واحد، فسوف نجد أنفسنا أمام نفس المشهد الذي جاءت ثورة يناير لتغييره، أمام نفس الوقائع بأبطال آخرين، حول بطل وحيد يعيد سيرة النظام القديم بسيناريو أكثر ركاكة وأقل تماسكاً.
**

المشكلة أن أبطال السيناريو الجديد لم يدركوا أن كل مشاكل مصر وأزماتها منذ 11 فبراير وحتى اليوم، وما يستجد من أزمات ومشاكل، كلها ترجع إلى مسألة واحدة جوهرية هي عدم الاعتراف بالثورة، المجلس العسكري اعتبر الثورة ضد التوريث، وقاد الفترة الانتقالية على أساس عدم الاعتراف بغير هذا الجانب من الثورة، وهو الجانب الذي كان يعتبره خارج طاقة الاحتمال، فاختصر الثورة فيما كان يؤيده، وترك جانباً كل أهداف ومسببات هذا الخروج الجماهيري الكبير الذي لخص بعبقرية نافذة تلك الأهداف مجتمعة في الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهي أهداف لا تقبل التجزئة ولا تقبل الأخذ ببعضها وترك البعض الآخر.
وهو السبب الحقيقي وراء فشل المجلس العسكري الذي رتب المرحلة الانتقالية بطريقة سيئة وبنوايا مضمرة تسببت فيما حدث من نتائج كارثية على الثورة والوطن في آن معا..

والإخوان الذين وضعوا نصب أعينهم من أول لحظة أن اللحظة التاريخية مناسبة للتمكين وقرروا منذ البداية أن الطريق الوحيد لهذا التمكين المشئوم هو الاستحواذ والانفراد بإدارة البلاد في فترة انتقالية أخرى لا هدف لها غير تنفيذ برنامج التمكين والأخونة فقادوا البلاد من فشل الى فشل ومن أزمة إلى أخرى أكبر منها وأكثر كارثية، واستعدوا كل ركائز الدولة المصرية بدءاً من الازهر والكنيسة ومرورا بالجيش والإعلام وأخيراً وقعوا في أزمة أكبر منهم حين تصدوا لمحاولة تطويع القضاء وقهره ووضعه في الجيب الإخواني ليضاف الى رصيد برنامج التمكين..

هم أيضا لم يعترفوا بالثورة على حقيقتها واخذوا منها الجانب الذي اوصلهم الى السلطة وتركوا كل ما فيها من مضمون يخص الحريات ولقمة العيش والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية وكلام الرئيس الإخواني عن الثورة في آخر أحاديثه تنبئ عن هذا التوجه بوضوح حين سألته المذيعة عن العدالة الاجتماعية فقال ان ثورتنا ثورة حرية وليست ثورة جياع وكان بطون المصريين امتلأت بالحرية خبزا وكرامة رغم تزايد معدلات الفقر واستمرار سياسات الافقار على حالها كما كانت على ايام المخلوع..

أزمة مصر لا حل لها إلا بالاعتراف بأن ثورة جبارة قامت هنا، وسيظل الدفع الثوري ناشطا إلى حين تحقيق هذه الأهداف، وغير ذلك فليس هناك الأزمات والمزيد من المشاكل والتعقيدات التي بلا حل..

الخلاصة في ذكرى خلع مبارك هي : بدون الاعتراف بالثورة مصر في ازمات مستمرة.