39 عاما على الثورة الإيرانية.. محطّتان نحو اللحظة الراهنة

تسعة وثلاثون عاما على قيام الثورة الإيرانية تمكنت خلالها الجمهورية “الجديدة”، القائمة على أنقاض نظام ملكي، من حيازة قدر معتبر من القوة والنفوذ في إقليمها، يتناقض مع وضع إيران السابق كتابع للولايات المتحدة والمعسكر الغربي وسياستهما، غير محقق لوزن إقليمي متناسب مع حجمها وثقلها، كدولة أمّة، وإمكاناتها وحضارتها؛ فكان الانقلاب الذي خططته الولايات المتحدة وإنجلترا على حكومة رجل الدولة الوطني العلماني محمد مصدّق عام 1953، وما تلاه من عودة الشاه للحكم على أنقاض مشروع مصدق لتأميم ثروات البلاد، خير تعبير عن طبيعة النظام السابق ذي المصالح المشتركة مع قوى الاستعمار الاقتصادي والسياسي، وهو نفسه الذي انخرط بحلف بغداد لمواجهة المدّ التحرري العربي، وكانت آخر خطواته الإقليمية لصالح منظومة النهب العالمية الانخراط في “نادي سافاري”، مع نظام الرئيس السادات، ومملكة آل سعود، والمملكة المغربية والمخابرات الأمريكية ونظيرتها الفرنسية، لإسناد هيمنة الشركات الغربية ونظمها الحاكمة على ثروات الكونغو وإثيوبيا والصومال، فضلا عن إخماد ثورة ظفار على الاحتلال البريطاني لعُمان.

رغم ما أقامه دستور الجمهورية الجديدة من تركّز لسلطات واسعة في يد المرشد الأعلى، وتوزيع لسلطات أخرى على البرلمان ومجلس خبراء القيادة ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور ومجالس الحكم المحليّة ورئاسة الجمهورية، يمكن تتبّع مسار الجمهورية الإيرانية، منذ نشأتها إلى الآن، بقراءة المحطّات السياسية والاقتصادية لها وفق من تولّوا منصب الرئيس، وكان أولّهم، بالواقع، المرشد الأعلى الحالي علي خامنئي، مع استثناء أبي الحسن بني صدر، ومحمد علي رجائي، الذَين لم يمارسا سلطة فعليّة في العام الأول من الجمهورية الجديدة.

المرحلة الأولى.. الصراعات والحروب التأسيسيّة

شهدت الأعوام من 1981 حتى 89، عهد علي خامنئي، حزمة من الصراعات انتصرت فيها وأفادت منها الجمهورية الوليدة، وكان لها أثر ممتد على مسار الدولة إلى الآن؛ فكانت غلبة النظام على المعارضة الماركسيّة العلمانية، التي شاركت في الثورة، انعكاسا لدَفعة شعبية كبيرة للإسلاميين تأسست خلال سنوات، قبل الثورة ومنذ سقوط مصدّق، في بنية الطبقات الشعبية والفقيرة من المجتمع، وأدّى افتقاد تلك المعارضة لحاضنة جماهيرية حقيقية، بالإضافة لقمع النظام الجديد لها، إلى انتفاء أثرها، ولذات السبب كان مصير الشريحة المسلّحة منها، تنظيم مجاهدي خلق، النفي إلى الخارج.

شملت المرحلة قرارا استراتيجيا هو تصفية الوجود الأمريكي، اقتصاديّا وسياسيّا، في البلاد، جاء انعكاسا طبيعيا لبرنامج الثورة في الأساس واتُخذ، وفق جميع الشواهد، تحت ضغط مباشر وعنيف من الحركة الطلّابية “المثقفّة” المنتمية للثورة، التي فاجأت الخميني نفسه وبادرت باقتحام واحتلال السفارة الأمريكية، لتفعيل موقف الثورة (المجمَع عليه) من الاستعمار الاقتصادي والسياسي، مما عجّل بمفاعيل البرنامج السياسي للثورة وخطواته العملية على الأرض، وفتح الأفق لإمساك النظام الجديد بمفاصل الاقتصاد والدولة وصولا إلى الثقافة، بعد أن بات معبّرا عن كتلة وازنة، صاحبة مصالح محددة، من المجتمع.

الصراع الثالث كان الحرب مع العراق، هائلة الخسائر والتكلفة، التي أثبتت حقيقتين مبكّرتين للدولة الإيرانية الناشئة: الأولى معاداة مشايخ النفط الخليجية والولايات المتحدة والكيان الصهيوني لنظام الثورة بأعلى سقف وكُلفة، والثانية الأهمية الجوهرية لتمتع إيران بنفوذ (تعاوني أو قاهر) في العراق لصالح أمنها القومي، وارتكازا على الحقيقتين جاء الإسهام الإيراني، الذي بدأ متواضعا، في الصراع الرابع أي الاجتياح الصهيوني للبنان، لتحقيق قوة إقليمية بالتمدد وراء حدود الدولة نحو مناطق للنفوذ تتيح بطبيعتها الضغط على الخصم، أو العدو، ولتدشين مشروع معلَن للثورة وهو الخصم من قوة الكيان الصهيوني أو القضاء عليه.

يمكن القول إن النظام الإيراني تشكّل، جزئيّا، بالارتكاز على تلك الصراعات وسياقاتها وتداعياتها ونتائجها، ووضَع محددات الأمن القومي للدولة وخيارات قوّتها خلال انغماسه فيها وخوضه لمعركة الحصار الاقتصادي الغربي والعالمي، وإن نتائج تلك الصراعات والحروب التحقت بالنتائج العالمية التاريخية لمحطات رئيسية لاحقة، كسقوط الاتحاد السوفيتي وغزو العراق والحرب السوريّة، لتشكّلا القوة الإقليمية الإيرانية الحالية.

التأسيس الثاني وحكم الإصلاحيين (1989 – 2005)

بتولّي هاشمي رفسنجاني، منصب الرئاسة عام 1989، عقب انتهاء الحرب مع العراق، أطلق الرجل عملية مخططة وشاملة لإعادة البناء، يطلق عليها في أدبيات السياسة الإيرانية مرحلة “سازندكى”، بناء على الأسس الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي وُضعت للدولة في المرحلة الأولى، أي اقتصاد التنمية الذاتية وتعبئة الموارد وأولويّة الاكتفاء المجتمعي وإدارة الدولة للاقتصاد، رغم ميله نفسه، ومن بعده محمد خاتمي، الذي حكم من 1997 حتى 2005، إلى الخصخصة والانفتاح الاقتصادي على الغرب، وتفعيل دور أكبر لرأس المال والسوق في إدارة الاقتصاد، لكن وجود الهيئات الحاكمة الأخرى ببنية الدولة، والمرشد، نجحا في إرساء قاعدة منهجية ودعم استمرارها، هي ما أطلق عليه علي خامنئي، فيما بعد “الاقتصاد المقاوم”، أي المعتمد على القدرات المحلية ومركزيّة العنصر البشري واستخدامه، وتأمين المواد الأساسية والاستراتيجية وتقليص تبعية الاقتصاد للنفط والتحكم في نمط الاستهلاك، دون تحكّم “مطلق” من الدولة في الاقتصاد والسوق؛ على أي حال تصاعدت سياسات وخطاب الداعين للخصخصة وحريّة السوق، تدريجيّا، بتوالي الأعوام، وصولا إلى عام 2005 الذي شهد انتخابات رئاسية فارقة، جرت في ظل أزمة اقتصادية متصاعدة معترَف بها.

في تلك المرحلة عملت الدولة الإيرانية على تطوير وإعادة تشغيل مشروعها النووي، الذي كان قد عُطّل بفعل العقوبات الأمريكية والحصار، وكثّفت مساعيها نحو ذلك بالعمل مع الأرجنتين في البداية، ثم روسيا أوائل ومنتصف التسعينات الباحثة عن الربح وعن وساطة مفيدة بين إيران والولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وبلغت إيران جهوزية الاستخدام السلمي للطاقة النووية بالتوازي مع إتاحة منشآتها النوويّة عام 1992 لتفتيش لوكالة الدولية للطاقة الذريّة، قبل أن يأخذ الغرب والولايات المتحدة المزيد من إجراءات التضييق والضغط لمنع اتّساع البرنامج، الذي استمر برغم ذلك وصولا لمرحلة الصدام الكبير في عهد محمود أحمدي نجاد.

لم تمثّل تلك المرحلة بناء الشكل الداخلي الحالي للدولة وبداية الصراع حول الإمكانات النوويّة لإيران فقط، بل شهدت كذلك، طوال أعوامها، ميلاد الاستقطاب التقليدي داخل النظام والدولة بين التيارين الثوري والإصلاحي، إلى حد انتقال عناصر من كبار رجال ورموز الثورة الإيرانية من معسكر الإجماع على برنامج الثورة “كما وُضع” إلى معسكر الدعوة لإجراء تعديلات عليه، فيما يخص النمط الاقتصادي والعلاقة مع الغرب والجوانب الاجتماعية الثقافية المتعلّقة بالهوية والدين والحريات الشخصية، وكانت مرحلة صراعات وتناقضات داخلية بامتياز مع حضور جدل مجتمعي حاد استطاع المجتمع احتواءه، وكانت له آثار عديدة منعكسة داخل بنية النظام نفسه الذي شهد تغيّرا ملحوظا، بالفعل، وقتها، إذ نجح في استيعاب الإصلاحيين وذوي الميول الليبرالية بالصدمة في أحيان، وبالتوافق في أحيان أخرى، وقام بتأطير ما بداخله من تبايُن تحت مظلة واحدة تجيد إدارة صراعاتها بما يكفل عدم حدوث انقسام.

ارتطم الوضع الإقليمي بأكمله، والعالمي، بمتغيّرات عنيفة وفارقة خلال سنوات تلك المرحلة، الانتفاضة الفلسطينية الثانية والحادي عشر من سبتمبر، وغزو أفغانستان والعراق الملاصقتين جغرافيّا والحيويّتين استراتيجيا لإيران، واتّجه وضع إيران، بصفة عامة، نحو الانكماش الدفاعي المضغوط الذي تظلله عقوبات اقتصادية بالغة الحدّة (ضاعفَتها إدارة بوش الابن)، مما فتح الباب لصعود الاتجاه الراديكالي – الثوري داخل الدولة والنظام، وانعكس ذلك في وصول نجاد إلى سُدّة الحكم وانفتاح الأفق لمرحلة ثالثة من عُمر دولة الثورة الإيرانية.