المثقف والسلطة (2).. جدلية العلاقة بين المعرفي والسياسي

على الرغم من حالة الانفصام التي وقعت في التاريخ الإسلامي بين ما هو سياسي وما هو معرفي، إلا أن ذلك الانفصام خلق حالة من الجدلية ما بين النموذجين شكلت نوعا  من التصادم حينا والتقارب والاتفاق في أكثر الأحيان، فمنذ البداية أدرك الحاكم خطورة ما يمثله أصحاب السلطة المعرفية من فقهاء وعلماء دين من أهمية بالنسبة للجماهير العريضة والشرائح الواسعة للمجتمع الإسلامي، ومن ثم كان من الضروري محاولة خلق مساحة من التفاهم وتبادل المنفعة بين الطرفين بحيث يشرعن صاحب السلطة المعرفية للسياسي حكمه، بينما يضفي الثاني على الأول من ثراء الملك وأبهته وفيض عطاياه.

لقد كان بعض من نتاج هذا التقارب هذا الزخم الفقهي الكبير الذي كرس حالة الاستقرار ودعى إلى الامتثال لولاة الأمر، وعدم الخروج عليهم حتى ولو ضربوا ظهور الرعية بالسياط، كما كان من نتائجه تحويل جانب مما هو سياسي زمني يخضع لتقييم التجارب الواقعية، ويحتكم لتحقيق منفعة وخير الرعية، إلى ما هو شرعي ديني فيه امتثال للأمر الإلهي بالامتثال لحكمة وشريعة ولي الأمر  الذي يعد مخالفته والخروج عليه شق لعصا الجماعة، وتمزيق للحمة الأمة الإسلامية، وتبدو حالات الاصطدام أو محاولة السلطة المعرفية للحفاظ على مساحتها الخاصة و حقوقها الأصيلة ومكتسباتها تقترب من الندرة بحيث لا تزال تتردد في كتاباتنا السياسية والتاريخية سير ممن استطاعوا أن ينطقوا بالرفض في وجه ذوي السلطان، وصاروا في وضعية الأبطال التاريخيين كالإمام أحمد بن حنبل أو الحلاج أو العز بن عبدالسلام، ويؤكد البعض على أن الكثير من أدبيات السياسة الشرعية كتبت في دواوين السلاطين وتحت إشراف مباشر منهم.

لقد وضع ما أنجز من أدبيات سياسية تؤكد على خضوع ما هو معرفي لما هو سياسي وسلطوي أجيال من علماء الدين والفقهاء تحت وصية السلطة السياسية، كما وضعهم أمام تحدين للتخلص من قساوة وضعيتهم الجديدة يتعلق الأول بإمكانية لتخلص من سلطة التراث السياسي، ونعني بها  تلك الأدبيات السياسية الشرعية التي كبلت قدرتهم على الرفض والاعتراض ومقارعة السلطة بالسلطة ، أما التحدي الثاني فهو مواجهة السلطة ذاتها التي تمتلك كل أسباب القوة، وتملك كل إمكانات المنح والمنع في مقابل سلطة للرأي قد لا تجد من يعتد لها دون مسوق ومسوغ جماهيري لها، وغالبا هو الدور الذي تقوم به السلطة المناوئة.

وما أن عرض العالم الإسلامي على العصر الحديث بمنجزاته العلمية والذي كان من أهم إنجازاته انفصام التجربة المعرفية إلى نوعين من المعرفة هما أولا المعرفة المرتبطة بعلوم الدين بفروعها المختلفة، وثانيا المعرفة المرتبطة بالعلوم العملية التجريبية المرتبطة باكتشاف الكون وظواهره الطبيعية، ووضعت قواعد العلوم الإنسانية الحديثة في الآداب والسياسة والاجتماع، حتى أصبح هناك سلطتان ثقافيتان ترتبطان بنخبتان ثقافيتان..علماء الدنيا في مقابل علماء الدين، وإذا كان علماء الدين قد تمترسوا في الماضي بثوابته ونتاجه في الفكر الديني والسياسي، فإن الأخرين قد استغرقوا في الواقع الذي يعملون على تفسيره ومحاولات تغييره، كما تأثروا بالمنجز الحضاري للثقافات الوافدة التي تربوا في ظلالها، وهي الحضارة الغربية المعاصرة صاحبت الفضل الأول فيما توصلت إليه الإنسانية من تراكم معرفي وحضاري في العصر الحديث، وقد ساهم التفتت في قوة “السلطة المعرفية” في تآكل مساحات تأثيرها، وفي قدرتها على الممانعة في الخضوع لسلطة السيف أو السلطة السياسية.

وقد استطاعت الدولة الحديثة بمؤسساتها الرسمية الدينية والثقافية ترويض و تقليم أظافر السلطة المعرفية من خلال سياسة المنح والمنع، فالمثقف الذي لا يسير في ركاب مشروع السلطة السياسية يبقى أثير حالة من الاغتراب الثقافي والمجتمعي، ويحكم على مشروعه الثقافي في كثير من الأحيان بالفشل، وهو الأمر الذي جعل وزير سابق للثقافة في مصر يصرح بلا خجل بأنه قد نجح في إدخال المثقفين إلى “الحظيرة” في كناية واضحة عن التبعية والاستجابة لبرامج الترويض الرسمية المقدمة من قبل السلطة السياسية.