«النسور الصغيرة» البحث عن أمل بين جيلين مهزومين

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

في الوقت الذي يبدأ فيه المخرج محمد رشاد سرد شعوره بصريًّا تجاه والده العامل السكندري البسيط (المكوجي الحاج أحمد رشاد) المحمل بالاغتراب والهجوم، والذي يفتقد تقديره له وفهمه لأفكاره، يذهب إلى القاهرة أملاً في تحقيق حلمه بالعمل في السينما بعد تركه للهندسة وعدم فهم والده لقراره، ويتعرف على صديقيه الناشطيَن بسام وسلمى، يحسدهما على والديهما اللذين كانا ناشطَين في الحركة اليسارية في سنوات السبعينيات، وحاربا بشجاعة ضد قمع النظام المصري آنذاك.

يتحاور المخرج مع الآباء والأبناء، وتتشابك فيما يرونه السياسة بالقصص الشخصية، وتبرز مشاعر الإحباط والهزيمة إزاء الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة.

كانت محاولة المخرج للاقتراب من أبيه هي محاولة منه في نفس الوقت لفهم ذاته، لفهم الظروف المجتمعية المحيطة به والمسئولة عن فشل الحركة اليسارية في مصر.

يكتشف المخرج أن صديقيه لديهما نفس الهموم والمشكلات مع أبويهما، وأن والده العامل البسيط يصبح هو بطل الحكاية على الشريط السينمائي، ويتصدر المشهد بصموده رغم كل الظروف الصعبة، فهو خاض نضالاً من نوع آخر نحو أسرته وتأمين مستقبل أبنائه، ووقف صامدًا خلف المكواة طوال كل هذه السنوات بجلد دون شكوى وبدون شعارات التضحية.

اقترب بهدوء مخرج فيلم “النسور الصغيرة” من لحظات مريرة تجمع بين جيل السبعينيات وجيل شباب 25 يناير، الأول الذي تلقى صفعة قاسية لا تقل عن مرارة هزيمة يونيو، بعد تاريخ طويل من المعارك لتحرير الأرض والنضال السياسي، بتوقيع الرئيس السادات لاتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني، وجسَّدها بحكايات شديدة الإنسانية، عن المناضلين سعيد أبو طالب ومحمود مرتضى، ظهرت بشاعرية على شاشة السينما، والجيل الثاني هم أبناء جيل السبعينيات الذين ورثوا النضال والهزيمة معًا، بعد فشل حلمهم في ثورة يناير، والقبض على كثير من زملاء الميدان.

رغم هزيمة الجيلين سياسيًّا ربما بحث عن حلم جديد من التصالح والتفاهم مع ماضيه ووالده، وأمل في مستقبل يمحو هذه الهزيمة السياسية ما دام أبطالها الحقيقيون منتصرين إنسانيًّا.

يقول المؤلف والمخرج محمد رشاد في تصريحات خاصة ل”البديل” إن والده كان أكثر الشخصيات سهولة في التعامل أثناء التصوير، وكان يتمتع بقدرة على الحكي والانتقال بين الموضوعات المختلفة والرد على تساؤلاته ببساطة دون تحضير مسبق. مشيرًا إلى أنه علم من إحدى شقيقاته بطريقة غير مباشرة أن والده سعيد بالفيلم، وأنه وافق على الاستمرار والتصوير من أجله.

ويكمل :”شعرت بتغير كبير في علاقتي بأبي بعد إخراج الفيلم. كانت رحلة للبحث عن الذات وعن علاقته به، أصبحت أكثر تصالحًا وتفاهمًا”.

يحكي رشاد أن فكرة الفيلم انطلقت في ذهنه عام 2012 عندما استمع لأول مرة عن كيان “النسور الصغيرة”، وهي تجربة قام بها عدد من قيادات ورموز اليسار المصري في حقبة السبعينيات، حيث حرصوا على تواصل أبنائهم سويًّا، وتربيتهم على مبادئ يسارية تضمن استكمال الأبناء لمسيرة الآباء.

وأضاف “لم يخطط لظهور والدي في مسار أحداث الفيلم، ولكن عندما قابلت أبوي صديقيَّ سلمى سعيد وبسام مرتضى، المناضلين اليساريين سعيد أبو طالب ومحمود مرتضى، واستمعت إلى حكاياتهما عن مظاهرات الحركة الطلابية في السبعينيات ثم احتجاجاتهما ضد كامب ديفيد، جالت بخاطري هذه المقارنة بين يومهما المليء بالنضال والمظاهرات والاعتقال ووالدي العامل البسيط الذي كان يذهب يوميًّا إلى عمله في الوقت الذى يتم اعتقال والد سلمى وبسام بالقاهرة”.

وأشار رشاد إلى أنه رغم شعوره بأن والده لم يمتلك هذه الحياة الثرية بالأحداث ولا المواقف الكبرى كما بدأت أحداث الفيلم، بالمقارنة بسعيد أبو طالب ومحمود مرتضى، ورغم حالة التصالح التي عبر عنها مع هذا، وبالمناسبة كانت هي اللغة السائدة بين أبناء جيلي في إحدى الفترات بعد ثورة يناير، أن جيل الآباء هم من هزمونا، وأنهم السبب وراء فشل ثورة يناير؛ بسبب اختياراتهم الدائمة التي تجنح نحو الاستقرار والرغبة في الأمن والأمان بدون حريات، إلا أنه اكتشف مع توالى أحداث الفيلم وحكايات والده وأيضًا حكايات قيادات السبعينيات أن والده كان يناضل بطريقته حتى ولو بشكل بسيط، فهو رفض أن ينساق وراء سياسات الانفتاح الاقتصادي والسفر إلى الخليج، وفضل الاستقرار مع عائلته وحمايتها، وفى القاهرة كان سعيد أبو طالب ومحمود مرتضى يناضلان سياسيًّا ضد معاهدة السلام.

وأردف رشاد أن فيلمه واجه هجومًا عنيفًا من بعض الجماهير التي رأت فيه نوعًا من المراهقة؛ لانتقاد والده العامل البسيط في ظل إعجابه الشديد بأبوي صديقيه اليساريين، مشيرًا إلى أنه كان سعيدًا بمختلف ردود الفعل وتفاعل المشاهدين مع الفيلم.

السينما التسجيلية والوثائقية المستقلّة المصرية قدمت بعد الثورة أعمالًا كثيرة مميزة، ونجحت في المنافسة على جوائز المهرجانات السينمائية، وعرضت في دول أوربية كثيرة. وفيلم “النسور الصغيرة” يكمل مسيرة النجاح، رغم أنه التجربة الأولى للفيلم التسجيلي للمخرج محمد رشاد، فاستحق الدخول في المسابقة الرسمية لمهرجان دبي في دورته الثالثة عشرة، كما حصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان الأقصر، ثم حصد جائزة أفضل فيلم تسجيلي بمهرجان مالمو للسينما العربية في دورته السابعة.