عام على استشهاد باسل الأعرج.. التحرر الوطني لا يموت

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

 

عام مر على استشهاد المناضل الفلسطيني باسل الأعرج، الذي انتهت حياته بحصار دام نحو ساعتين لمنزل كان يتحصن به في رام الله، متخفيا، قبل أن تصل القوات الصهيونية وتحاول اقتحامه لإلقاء القبض عليه، الأمر الذي لم يكن سهلا وتطلب قتالا عنيفا، على عكس ما قد يفيد المشهد الذي احتوى على مقاتل واحد بسيط التدريب مسلح ببندقية بدائية، في مواجهة مأمورية عسكرية ذات عدد من المقاتلين المدججين بالسلاح.

كان باسل دارسا جادا لتجارب التحرر الوطني على المستوى العالمي، وعلى اختلاف النماذج الاستعمارية التي تعرضت لها شعوب “العالم الثالث”، والتي واجهتها نماذج للمقاومة الشعبية وحروب التحرير القائمة على إجادة استخدام القوى العسكرية المحدودة، المدعومة بقوة التعداد الجماهيري لأهل البلاد الأصليين، لمحاربة قوى عسكرية أكبر وأكثر تطورا، مع الارتكاز على المرحلية واستنزاف العدو المستعمر، والتقدم التدريجي في القدرات وصولا لاستنزاف أكبر يجبر القوى المسلّحة للاستعمار على التراجع تحت ضغط اتساع الحركة المسلحة، التي تمتاز في مثل هذه المواجهة بالقدرة على الحشد وجعل بقاء الاحتلال مستحيلا في ظل ضربات المقاومة المستمرة، ضربات، وإن صغرت، قد يفتح تكثيفها العددي وإيقاعها الباب لتراجع العدو وإجباره على تقديم التنازلات الواقعية. اهتم باسل بصفة خاصة، كما يشير ما كتبه من تدوينات ومقالات، بنموذج حرب العصابات وفلسفته القتالية الخاصة، وبنموذج التجربة الصينية في التحرر الوطني التي أفادت من التفوق السكاني لأهل البلاد من أجل دحر الاحتلال الياباني، وشملت مناهج وممارسات عسكرية وقتالية صارت، لاحقا، مرجعا لا غنى عنه في فهم حروب التحرر الوطني للشعوب، الأفقر والأضعف، من الاستعمار.

ولد باسل بقرية الولجة ببيت لحم، حيث تماس من طفولته بمناطق المستوطنات، واهتم منذ صباه بالتراث الشعبي لوطنه وتاريخ المقاومة والثورة الفلسطينية، وهو ما أثر لاحقا في توجهه إلى إقامة جولات توعوية في ربوع الضفة، حملت عنوان “مشروع توثيق محطات الثورة الفلسطينية” منذ ثورة عام 1936 وصولا إلى انتفاضة الأقصى عام 2000، الذي شمل رحلات ميدانية لزيارة المناطق التي وقعت فيها عمليات المقاومة والمعارك الفدائية، مثل موقع عملية زقاق الموت التي نفذها مقاومون ثلاثة من حركة الجهاد الإسلامي في الخليل، عام 2002، ومعركة الولجة في بيت لحم؛ زيارات هدف المشروع بها إلى إبقاء جذوة المقاومة حاضرة في نفوس الفلسطينيين، ولا سيما جيل الشباب منهم.

إلى مصر توجه باسل ليدرس الصيدلة بجامعة 6 أكتوبر، وعاد بعد إتمام دراسته إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليعمل في صيدلية بناحية عناتا في مخيم شعفاط، ويخوض  تجربتي التدوين على الانترنت والعمل العام، بإقامة مدونته الشهيرة بين الشباب الفلسطيني مع تنظيم ندوات ثقافية متنوعة دارت في فلك فكر المقاومة، مساهما في تأسيس “دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي” عام 2011، المعنية بالبحث في التحرر الوطني، إلى جانب الكتابة في العديد من المواقع الثقافية الفلسطينية على الإنترنت، فضلا عن المشاركة الدائمة في التظاهرات والفاعليات المناهضة للاحتلال ولسلطة فتح، والتي جعلته معروفا لقوى الأمن الفلسطينية؛ وفي ذات العام، ساهم الشهيد باسل في تأسيس الكيان الأكثر غموضا وإثارة للجدل، الحراك الشبابي الشعبي الفلسطيني، الذي تأسس لتوفير دفعة شعبية لمبدأ المقاومة، وكان باسل من قياداته، وبناء على نشاطه به صار ومجموعته المقربة (المؤلّفة من 5 أفراد) هدفا للشاباك، جهاز الأمن الداخلي بالكيان الصهيوني، وهو ما انكشف ببيان ألقاه أفيجدور ليبرمان وزير الأمن في صيف عام 2016.

اتهم بيان وزارة الأمن، حينها، الحراك بتشكيل ذراع عسكري له وتنفيذ عمليات استهدفت الجيش والمستوطنين، وبأن عناصر منه على اتصال بحزب الله وتلقوا تدريبا في لبنان، وبأن قوى الأمن ضبطت في إبريل من عام 2016 خلية تابعة للحراك في رام الله، ومعها وسائل قتالية متنوعة شملت قنابل وبنادق ومسدسات وذخائر بهدف إلى تنفيذ هجوم في القدس المحتلة، كما أعلن البيان أن التحريات أثبتت تزعم الشهيد باسل لتلك الخلية وللجناح العسكري للحراك، وأنه قد تم القبض على أحد تجار السلاح الذين باعوا للخلية ما يلزمها، وأن الحراك، بصفة عامة، كان لديه مخطط للعمل على إسقاط سلطة أوسلو بالعمل السياسي المدني، فضلا عن خطط عسكرية وضعها باسل لعمليات نوعية تستهدف أهدافا حيوية للاحتلال.

بعد إصدار البيان، الذي كان بمثابة إشارة توجيه لسلطة أوسلو كي تؤدي دورها المرسوم، والمؤطر بالتنسيق الأمني مع الاحتلال وبغيره من السياسات، اعتقلت السلطة الفلسطينية مجموعة باسل الأعرج خلال تواجدهم في منطقة حرشية، قرب رام الله، وعرضت أسلحة قالت إنها ضبطتها بحوزتهم، وأودعتهم سجن أريحا وسط ضغوط ومناشدات كثيفة من المجتمع الفلسطيني لإطلاق سراحهم، ومع ادعائات، لم يصدقها أحد، بأن اعتقالهم جاء حماية لهم من تعرضهم للاعتقال على يد قوى الأمن الصهيونية، وخاضت المجموعة إضرابا عن الطعام للضغط من أجل الإفراج عنهم، وهو ما حدث في سبتمبر من عام 2016، فقط لتلقي قوات الاحتلال القبض على زملاءه، في عملية تسليم وتسلم واضحة، ومعتادة، بين سلطة فتح والاحتلال، بعد أن عبرت إجراءات السلطة وسلوكها عن حقيقة موقفها من مبدأ المقاومة، والمقاومين: وهو إما اعتقالهم أو السماح بأن يعتقلهم الاحتلال، بلا موقف ثالث.

بناءً على فهمه لطبيعة سلطة فتح ومصالحها وارتباطها الطبيعي بالاحتلال، على أرضية اتفاقية أوسلو، قرأ باسل خطوة الإفراج عنه واستبق القبض عليه، كما حدث مع باقي المجموعة، وقام بالاختفاء التام، وانطلق الاحتلال باحثا عنه واقتحم منزل أسرته لأكثر من مرة، ثم توصل أخيرا إلى حيث كان يختبئ، ولم تستطع القوة المهاجمة اقتحام المنزل الذي تحصن به إلا بقصفه صاروخيا بعد مقاومة عنيفة، وتم سحب جثمانه والتحفظ عليه لأيام لاحقة، بعدها شيعته جماهير الفلسطينيين، وأهله، بحفاوة وفخر تجاوزا المرارة التي شعر بها الجميع.