هل للآداب آخلاق؟

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

يقول لنا البعض أن الحياة “بذيئة”، لذلك علينا أن نكتب أدباً”بذيئا” أو فيه “بذاءة”. وإنَّ استعمال جملٍ أو كلمات “شوارعية” أو “شتائم” هو أمرٌ بديهي في الأدب والثقافة لأنّهما تعبيرٌ عن الحياة. ذلك أمرٌ فيه نقاشٌ بالتأكيد، أنا لست مع “لجم” الأدب، ومنعه من التطوّر، وحتى وضع “حدود” له. في نفس الوقت، لست أقبلُ إلا بوضع “لافتات” تحذيرية على أدبٍ من هذا النوع، كما تفعلُ كل الدول الغربية الكبرى والصغرى على حد سواء (أليس معظم المتشدّقين بهذه التعابير والحرية حولها مفتونين بالغرب؟)، بمعنى أن توضع لافتة: “للراشدين فقط” على كتابٍ شعري يحتوي ألفاظاً سوقية لا لسبب إلا لأنَّ كاتبه اعتبر أنه يحق لي أن أفعل ذلك.

في البداية سيثير الأمرُ ضجةً أن نضع تلك اللافتة فوق كتاب، بعد ذلك، وكما يحصل في الغرب، سيعتاد الجميع الأمر، وسيصير التمييز سهلاً واضحاً: هذه الكتب ليست لنا، هذه الكتب لنا. التمييز أحياناً يسهّل الأمور، ويصنّفها، ويجعل الأمر أسهل، وأكثر هدوءاً.

للأسف، الأمرُ أعقدُ من هذا بكثير، إذ على ما يبدو فإن إستعمال الألفاظ السوقية والشتائم بات نوعاً من “التقنية” التي يستخدمها كثيرون للإشارة إلى انتمائهم إلى طبقاتٍ ما: كما لو أن الطبقات الشعبية لا تمتلك أي شيءٍ خاصٍ بها سوى “الشتائم” و”الفقر”. إنك لا ترى أبداً فقيراً في أي مسلسل/فيلم/مسرحية إلا بثيابٍ ممزقة/قديمة/مهترئة وألفاظٍ سوقية وشتائم. هكذا تصبحُ طبقةٌ اجتماعية بقدها وقديدها مختصرةً بصفاتٍ محددة، ويصبح هناك سهولةٌ من جانب “الكتّاب” في التعامل معها والكتابة والحديث عنها. يحاول أحد كتاب الرواية العرب ان يعطي لروايته بعداً “إنسانوياً” “شوارعياً” أو بحسب ما قال في مقابلته الصحافية حول الرواية: “بعداً شهوانياً”، من خلال استعمال الألفاظ الجنسية الشوارعية. هو يريد أن يكون حقيقياً، حسبما يقول. ألا يمكن أن تأتي الحقيقةُ بطرقٍ أخرى؟ أليس هناك وجهٌ آخر مختلفٌ؟ هل الحقيقة كما يراها هذا الكاتب هي الحقيقة المطلقة؟ أي بمعنى أن الجميع يرى الأمر “بعداً شهوانياً” مثلاً حين استعمال كلماتٍ بذيئة؟ أم أن البعض يراه أمراً مقرفاً أو مزعجاً؟

هذا الكاتب، وإن اختلفنا معه، كان لديه وجهة نظرٍ في استخدامه لكلماتٍ سوقية أو شوارعية، لكن ماذا عن كثيرين يستعملونها ككلماتٍ عابرةٍ خلال المشهد الذي يقومون بتمثيله أو كتابته. يشكل هؤلاء مشكلةً أكبر بالتأكيد، إذ ليس هناك سببٌ حقيقي سوى محاولتهم تقليد الواقع. طبعاً مشكلةُ التقليد أنه “تقليد” أولاً وآخراً، المشكلة الأخرى فيه أنه غالباً ما يعطي شعوراً بقلة القيمة. إذ تأتي هذه “الشتائم” في غير موضعها، فيشعر المشاهد/القارئ بأنه لا فائدة لها سوى أن الكاتب اعتقد أنّها ستضفي لمسة من تغيير على النص.

هنا، ينبغي الإشارة غلى أنَّ القراء/المشاهدين المراهقين هم أوّل من يتنبه لهذه الشتائم والألفاظ الخارجة لأسبابٍ بسيطة، أولها أنهم لايزالون تحت نظام الوصاية العائلي، ثانياً أنهم يريدون الثورة على كل شيء، والشتائم هي أول هذا الخروج، وآخرها أنهم يريدون إشعار الآخرين بأهميتهم وبأنّهم هنا. لذلك فإن أي شتيمة داخل كتاب/مسرحية ستنتشر كالنار في الهشيم بين المشاهدين/القراء المراهقين، لا لأهميتها ولكن لأنه في المعتاد إما لا تلفظ هذه الكلمات بشكلها المباشر أمامهم، ولأنهم ببساطة يشعرون بأن الأمر “طبيعي” و”يمكن استعماله” و “لا ضير فيه” ولا مشكلة.

لاحظ كتّاب الغرب هذه الميزة، لذلك نجد في أغلب كتب المغامرات للفتيان شتائم كثيرة، وبحسب مقال لإلكسندرا سيفرلين فإنَّ باحثين من جامعة بيرغهام يونغ بعد دراستهم لأكثر من 40 رواية موجهة للشباب (ضمن قائمة النيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعاً العام 2008) وجدوا بأن هذه الكتب غارقة في الكلمات البذيئة وأن الأهل –لأنهم لا يتوقعون ذلك- آخر من يعلم، حتى أنّهم لا يناقشون الأمر مع أطفالهم باعتبار أنها روايات مخصصة للشباب.

الأمر الأكثر خطورة الذي خلصت إليه الدراسة، أن هذه الكتب تحاول تصوير “الشباب الذين يتلفظون بالشتائم” على أنّهم ناجحون، أثرياء، محبوبون، ويمتلكون كل شيء؛ في الوقت عينه نبهت إلى أنَّ الشباب المتأثرين بهذه الشخصيات هم الأكثر “عنفاً” واستعداداً للقيام بأعمالٍ عنيفة. طبعاً هذه دراسةٌ تخص المجتمع الأميركي، وهي تحتاجُ تقنيناً علمياً للتأكد من تطابق نتائجها معنا، ولكنها تعطينا إيحاءاً بما هي الحال عليه هناك.

باختصار، هو نقاشٌ ٌمفتوح، وليس حسماً وقطعاً لا نقاش فيه. هناك ثقافة أدبيةٌ تنتشر حالياً قائمةٌ على استخدام اللغة والأدب والثقافة دون أي قيود أو ضوابط بما فيها قيود اللغة وقوانين الكتابة وسواها، ترتكز هذه “الثقافة” على منطق أنه لا حدود ولا قوانين. مشكلة هذه “الثقافة” أنها ولأنها بلا قوانين وضوابط تفتقد لأي بنية، بالتالي يستطيع أيٌ كان الحديث عن تفرده وتميّزه واعتبار ما يكتبه أدباً عظيماً ورائعاً لا يتم تقديره.

على الجانب الآخر هناك أناسٌ يعتبرون الأمر “قلة أدب” وأنَّ اللغة والأدب والثقافة يمكنها أن تكون “اخلاقية” دون ألفاظٍ سوقية من أي نوع: وأكبر مثالٍ على هذا “ر ر تولكين” مؤلف الروائع “الهوبيت” و”سيد الخواتم”، أو “ج ك رولينغ” مؤلفة هاري بوتر، وكلاهما يكتبان بلغةٍ ليس فيها سوقية أو ألفاظٍ خارجة من أي نوع. يذكر أن تولكين كان يقول ويؤكد أنه يريد أن يقرأ الجميع هذه الكتب، وليس فقط العمال في المرافئ (هو يشير إلى فكرة أن البحارة وعمال المرافئ هم أكثر من يشتمون ويشربون الكحول).