الإخوان..انسف تنظيمك القديم !

بدون أى مناسبة سياسية واضحة، عاد ملف المصالحة من الإخوان المسلمين أو مع المتعاطفين معهم إلى صدارة المشهد الإعلامي، بعد اللقاء التليفزيونى الذى طالب فيه الصحفى عماد أديب فى حواره مع المذيع أحمد موسى ، بضرورة البحث عن صيغة للتعامل مع الشباب المتعاطفين مع الجماعة الذين لم تتلوث أياديهم بالدماء، وبذل جهد تثقيفى وتعليمى معهم حتى لا يقعوا تحت تأثير تنظيم الإخوان ، خاصة وأن عددهم يتعدى مئات الآلاف ،كما قال أديب .

البعض فسر- بدون دليل واحد – أن دعوة أديب ليست أكثر من بالون اختبار تقف وراءه أجهزة أو جهات بالدولة لجس نبض المجتمع تجاه قضية المصالحة مع الإخوان ، لأن أديب لم يكن يجرؤ أن يقدم على هذه الخطوة بدون ضوء أخضر ، لكن هؤلاء البعض لم يوضحوا لنا سبب هذه الخطوة ولا النتائج التى تستهدف الوصول إليها ، فى حين التقط البعض الآخر طرف الخيط ليشنوا هجوما ضاريا على الجماعة باعتبارها المسئولة عن كل العمليات الإرهابية التى تشهدها مصر منذ إبعادهم عن السلطة ، وأن المصالحة مع الجماعة غير مطروحة تحت أى ظرف.

لا أحد يعرف سوى مجرد تكهنات حول دوافع إطلاق دعوة عماد أديب ، هل هى فعلا مجرد اجتهاد شخصى ؟ أم أن إطلاقها مع ردود الأفعال الحادة ضدها يعبر عن صراع الأجهزة واختلافات رؤاها حول كيفية مواجهة الأزمات التى تواجهها البلاد ؟ أم أن هذه الدعوة تشى بوجود رغبة لدى السلطة لحل أزمة الاستقطاب السياسى الحاد الذى يكابده المجتمع المصرى حاليا ؟

أيا كان الأمر ، فإن الإخوان حتى الآن لم يتمكنوا من الاتفاق على كيفية التعامل مع دعوات المصالحة سواء التى أطلقها عمرو أديب من الباب الخلفى عبر حديثه عن الشباب المتعاطف مع الجماعة ، أو تلك التى أطلقتها منذ عدة أشهر أصوات محسوبة على المعارضة ، فالإخوان فى خطابهم الرسمى لا يزالوا يطالبون بعودة الرئيس المعزول محمد مرسى للحكم ولو لمدة يوم واحد ثم يستقيل بعد ان يدعوا لنتخابات رئاسية جديدة ، دون ان يراعوا أن هذا المطلب قد تجاوزته الأحداث ، وأن موازين القوى السياسية لن تمكنهم من تحقيقه ، خاصة وأن قطاع كبير من المصريين المعارضين للسلطة الحالية ، يعارضون أساسا عودة الإخوان ليس فقط للسلطة ولكن للحياة السياسية والحزبية مرة أخرى !

داخل فصيل الإخوان والمتعاطفين معهم أجنحة مختلفة ، بعضها يميل إلى التشدد وقد يؤيد عمليات العنف المسلح ضد الدولة حتى يتم إسقاط النظام الحاكم ، وبعضهم يتخذ مواقف وسطية وقد يؤيدون استخدام السلاح للوصول لموقف تفاوضى أقوى قد تسمح الظروف بعد فترة من الزمن بعقده مع النظام ، والبعض الثالث يرفض اللجوء للعنف ويفضل الحلول السلمية حتى لو أدى الأمر إلى وقف نشاط الجماعة لأجل غير مسمى ، بانتظار أن تحدث تغييرات على الساحة السياسية تسمح بعودة الجماعة لنشاطها الدعوى أو السياسي مرة أخرى .

لكن فى كل الأحوال تتجنب كل هذه الأجنحة مناقشة الأزمة الحقيقية التى تواجهها الجماعة والتى تتمثل فى غموض تكوينها التنظيمى ، وعلاقة إخوان الداخل بما يسمى التنظيم الدولى ، وخروج كل هذه البنى التنظيمية عن رقابة القانون ، وعدم قدرتها حتى عندما كانت فى السلطة على توفيق أوضاعها بالشكل الذى يعطى لها مشروعية قانونية تتفق مع توجهاتها الفكرية ، وسيطرة الحرس الحديدى القديم بمنابعه الإيديولوجية التى تربوا عليها فى أجواء سرية غير شرعية والعمل تحت الأرض لسنوات طويلة ،على مراكز صنع القرار فى التنظيم ، للدرجة التى كان فيها الرئيس الأسبق محمد مرسى يبدو وكانه يمارس مهامه تحت وصاية مكتب الإرشاد ، وربما يكون هذا هو السبب الرئيسى فى سقوط الجماعة السريع والمدوى من السلطة .

أزمة المصالحة هى فى الأساس أزمة الجماعة نفسها ، وفى أسلوب عملها ، وفى تركيبتها التنظيمية ، وفى نظرة قياداتها التاريخية المنغلقة للتنظيم باعتباره يضم وحده جماعة المسلمين الذيم يفهمون وحدهم مقاصد الدين والشريعة على الوجه الصحيح ،ولدوره السياسى الذى ينبغى أن يقوم به الآن ، وعلاقاته بمؤسسات الدولة بالقوى السياسية الأخرى .

القائمون على أمر الجماعة يجب أن يدركوا أن أساليبهم القديمة فى العمل لم تعد صالحة الآن ، المطلوب منهم أن يشعلوا ثورة – لا يتخيلوها ولا يريدوها وربما لا يعرفوا عنها شيئا – فى بنية الجماعة نفسها وفى نظرتها لتجربتها السياسية عبر تسعة عقود برؤية نقدية ، وقد نقطة البداية فى هذه الثورة هى حل التنظيم القديم نفسه وبناء حزب سياسى يقوم على أسس ديمقراطية واضحة وشفافة ، وساعتها قد يمكن الحديث بجدية عن المصالحة مع الإخوان !