الغابات الشجرية.. منافع عديدة ودعم مفقود

طالما كانت مصر إحدى أبرز مناطق زراعة الأشجار، وما تنتجه من الأخشاب كان كافيا لاستخداماتها، إلا أنها في الوقت الحالي، أصبحت من أكبر الدول المستوردة للأخشاب بحوالي 712 مليون دولار سنويا، ما يمثل عبئا كبيرا على الميزان التجاري، خاصة مع تزايد الأسعار العالمية وانخفاض سعر الجنيه أمام الدولار.

ورغم توافر مقومات إنتاج الأخشاب محليا وبتكلفة منخفضة، وكذا كل عناصر الإنتاج والعوامل الجغرافية والمناخية للتوسع في قطاع الغابات الخشبية، فضلا عن التخلص الآمن من مياه الصرف الصحى المعالج، إلا أن القطاع لم يأخذ حقه من الاهتمام والدعم.

وتتوافر كل الإمكانيات من مناخ وتربة ومياه للري في مصر؛ فالغابات تزرع في الأراضي غير الصالحة لزراعة المحاصيل الاقتصادية المعروفة وبنوعية مياه منخفضة الجودة، وبالتالي لا تمثل أي تنافسية مع أي محصول آخر، ما يؤدي إلى زيادة العائد الاقتصادي للمزارع والدخل القومي، وتساهم الغابات في التغلب على التغيرات المناخية، وتقليل الآثار السلبية للاحتباس الحراري، وخفض نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعثة التي تتسبب في ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير.

وقال الدكتور جمال عبد ربه، أستاذ البساتين بكلية الزراعة جامعة الأزهر، إن الغابات والنباتات الخضراء تعد المستهلك الأول للكربون من الغلاف الجوي، وإحداث توازن ديناميكي في نسبة الغازات الموجودة، إضافة إلى أسباب اقتصادية أخرى، لذا يوجد توجه عالمي للتوسع في زراعة الغابات وصيانتها وحمايتها، موضحا أنه وفقا لدراسة أجراها معهد مراقبة البيئة العالمية، فإن كل 130 مليون هكتار من الغابات قادر على امتصاص 660 مليون طن من الكربون كل عام، وتستطيع هذه المساحة من الغابات، التي تعادل ضعف مساحة فرنسا فقط، أن تمتص هذه الكميات الهائلة من الكربون لمدة ثلاثين سنة، ويمكنها أن تعيد الأراضي المتدهورة إلى حالتها الطبيعية، ومشروع استزراع الغابات، يوفر أيضا كميات إضافية من الأكسجين النقي، ويوفر على الإنسان عناء وأضرار تنفس الهواء الملوث المليء بأشكال الملوثات الغازية كافة والغبار.

وأضاف عبد ربه لـ”البديل”، أن مصر بدأت في زراعة الغابات مؤخرا، وبمساحات صغيرة، إلا أن الأمر يلزمه مشروع على مستوى الدولة لإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي المهدرة سنويا لهذا الغرض، ليوفر فرص العمل ويزيد العائد الاقتصادي للمزارع والدخل القومي باستغلال الأشجار الخشبية في الصناعات المختلفة مثل محاصيل الألياف والزيوت وفي التصنيع الزراعي وإنشاء مصانع لإنتاج الحبال والأثاث والإسكان والفحم من زراعة أشجار الكايا أو الحور أو الكافور ومصانع من أشجار السنط العربي لإنتاج الصمغ والراتنجات ومكافحة التصحر، خاصة أن الصحراء تمثل 95% من إجمالي المساحة الكلية.

وأوضح أحمد كمال، أستاذ مساعد بقسم الاقتصاد الزراعي، أن المشكلة تتمثل في الارتفاع المتزايد لقيمة فاتورة الواردات من الأخشاب، خاصة بعد تحرير سعر صرف العملات الأجنبية، الذي أدى إلى إرباك السوق المحلية لصناعة الأثاث، التي تعمل بها أيدي عاملة كبيرة، لافتا إلى تخصيص نحو 111.7 ألف فدان لزراعة الغابات الخشبية، لكن لم يتم زراعة سوى 21.3 ألف فدان فقط منها، ويمكن أن يؤدي إنتاجها إلى توفير نحو 7.12 مليار جنيه سنويا، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على الميزان التجاري الزراعي الذي يترتب عليه خفض العجز في ميزان المدفوعات.

وتوقع كمال أن يصل إنتاج الأخشاب من المساحات المزروعة بالغابات في مصر حاليا عند دورة القطع “عمر 15 عاما” إلى 8.3 مليون طن تقريبا، والكمية يمكن أن تلبي احتياجات السوق المحلية من الأخشاب والفائض يتم تصديره، حيث بلغ المتوسط العام لحجم وارداتنا من الأخشاب خلال الفترة من 2005 إلى 2015 نحو 12.3 ألف طن في العام، وبذلك يتضح ارتفاع العائد الاقتصادي من استغلال مياه الصرف الصحي المعالج في زراعة الغابات الخشبية.

وأكد كمال لـ”البديل”، أن المشروع يعتمد على مدى توافر مستوى التكنولوجيا الفنية المطلوبة؛ بحيث تتوافق مواصفات الأخشاب المحلية مع المواصفات القياسية العالمية التي تتطلبها الصناعات الخشبية المختلفة، على أن يراعى عند قطع أشجار الغابات تلبية احتياجات السوق الفعلية، وأن تتم عملية القطع على أسس علمية تراعى الأثر البيئي الناتج عن وجود الغابات، كما يجب العمل على استكمال هذه المنظومة من خلال إنشاء مجتمعات عمرانية وصناعية وحرفية جديدة تقوم على إنتاج هذه الغابات بما يحقق التنمية المستدامة للمجتمع.