قراءة في كتاب: شراء الوقت.. الأزمة المؤجلة للرأسمالية الديمقراطية

طالما رُوجت صور براقة عن النظام الرأسمالي، باعتباره الأكثر قدرة على التطور وتحقيق النهضة والسلام المجتمعي، لكن الأزمة المالية في عام 2008 وتبعاتها، عكست بوضوح الأزمات الكبيرة التي تعيشها المنظومة الرأسمالية، في ظل تفاوت طبقي متزايد، ومعدلات بطالة مرتفعة، وتراجع الإنفاق على الخدمات العامة، وتركز رأس المال في يد مجموعة محدودة من العائلات، وإفقار لملايين من البشر، وتعرض العديد من الدول لشبح الإفلاس.

في كتابه ” شراء الوقت .. الأزمة المؤجلة للرأسمالية الديمقراطية” الصادر في ترجمته العربية عن دار صفصافة، وصف أستاذ الاقتصاد السياسى الألمانى فولفجانج شتريك، الأزمات التي تعانيها الرأسمالية في السنوات الماضية بعملية “تفكيك لنظام الرأسمالية الديمقراطي” مشيرًا إلى أن رأسمالية المجتمعات الديمقراطية الثرية “تعاني من أزمة ثلاثية الأبعاد، مستمرة منذ عدة سنوات دون أن يبدو أفق للحل وتشمل: أزمة البنوك، وأزمة المالية العامة للدولة، وأزمة الاقتصاد العيني”.

يوضح شتريك أن فهم الأزمات التي تعانيها الأنظمة الرأسمالية، يتطلب العودة لمنتصف القرن العشرين، وتحديدًا فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تم تأسيس شرعية النظام الرأسمالي حينها على حجم الحقوق الممنوحة للعمال والموظفين، وكان رأس المال حينها مجرد أداة لتحقيق التنمية المجتمعية.

“على الصعيد العالمي وضعت الرأسمالية بعد عام 1945 في موقع الدفاع عن النفس، ووجب عليها أن تسعى لتمديد رخصتها في المجتمع وتجديدها، في كل دول الغرب بعدما إشتد عود الطبقة العمالية نظرًا للحرب والمنافسة من الأنظمة الأخرى. لم يكن ذلك ممكن إلا من خلال تنازلات كبيرة، كما توقعت النظرية الكينزية ومهدت الطريق لها: على المستوى المتوسط في صورة سياسة الدولة الاقتصادية، وتخطيطها لضمان التنمية، والتشغيل الكامل، والتوازن الاجتماعي”.

أزمة الشرعية

في العقود التالية وتحديدًا منذ سبعينيات القرن الماضي، ومع تطبيق السياسات النيوليبرالية، أصبح رأس المال سلطة مهيمنة على سياسات الأنظمة الغربية، وتدريجيًا بدأت تتراجع وتتلاشي دولة الرفاهية، في ظل تحرير حركة التجارة فى السلع والخدمات ورأس المال من بلد لآخر، وضعف قدرة الدولة على تحصيل الضرائب من الشركات الكبري وأصحاب رؤوس الأموال. “لم يعد المواطنون فقط هم من يحددون التطلعات التي يكون على النظام السياسي الاقتصادي أن يلبيها ليبلغ شرعيته، ولكن أيضًا رأس المال الذي لم يعد يظهر كأداة، بل أيضًا طرف فاعل”.

نتيجة لهذه التغيرات واجهت الأنظمة الغربية، أزمة على مستويين أحدهما يتعلق بشرعية النظام الرأسمالي غير القادر على الوفاء بمتطلبات العدالة والسلم الاجتماعي، وأزمة أخرى على المستوى الاقتصادي في ظل تراجع معدلات النمو وتهديد أصحاب رؤوس الأموال بالهروب لأسواق أخرى، في هذا السياق يُشير الكاتب إلى أن الأنظمة حاولت الحفاظ على شرعية النظام الرأسمالي عبر سياسات “شراء الوقت” بحيث تقوم الحكومات بالبحث عن حلول مؤقتة للأزمات الهيكيلية في المنظومة الرأسمالية، كما حدث خلال فترة السبعينيات، حين قامت الحكومات الغربية بتحمل المسؤوليات التي تخلى عنها أصحاب رأس المال، ونتج عن ذلك معدلات تضخم مرتفعة للغاية.

وفي محاولة لتحجيم التضخم بدأت الحكومات في الاقتراض خلال فترة الثمانينيات، حتى وصل الدين القومي لمراحل خطرة، وفي التسعينيات، استمرت الحكومات الغربية في شراء مزيد من الوقت، من خلال الاعتماد على مديونية الأفراد، فتوسعت البنوك في إقراض الأفراد، من أجل تحفيز السوق وزيادة النمو، لكن كل تلك المحاولات، كانت تزيد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويتحمل فاتورتها الطبقة المتوسطة والفقيرة، بينما الطبقات العليا تزداد ثراءً. “باءت التحولات الثلاثة إلى خسائر لم يكن مداها متوقعًا، خسائر في المدخرات وبطالة ونقص التشغيل، والمزيد من الاستقطاعات في الخدمات الحكومية”.

ديكتاتورية الرأسمالية

يُشير الكاتب إلى أن تحول الأنظمة الغربية على مدار الثلاثة عقود الماضية من دولة الضرائب إلى دولة الديون، صاحبه تحول آخر فقدت معه الديمقراطية دورها كأداة لحماية حقوق المواطنين والدفاع عن مصالحهم ” الأزمات المالية المعاصرة والانتقال من دولة الضرائب إلى دولة الديون مهدا لمرحلة جديدة في العلاقة بين الرأسمالية والديمقراطية، لقد رفعت الأزمة بعد 2008 مستوى مديونية الديمقراطيات الغنية إلى مستوى لم يعد معه دائنوا هذه الدول يريدون الاعتماد على فكرة أن هذه الدول ستكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها في السداد. ونتيجة لذلك يسعى المقرضون لتأمين مطالبهم بشكل أكبر من الماضي من خلال ممارسة تأثير على السياسة الحكومية، بذلك تظهر دولة في دولة الديون فئة ثانية من أصحاب الشأن ومانحي التفويض إلى جانب قاعدة المواطنين”.

يرى الكاتب أنه في ظل عدم مقدرة الأنظمة الغربية على شراء مزيد من الوقت، لم يعد هناك إلا مسارين أحدهما يتمثل في عودة سيادة الدولة القومية على الاقتصاد، وهو ما يعني مواجهة مع منظومة العولمة، وفرض قيود على حركة رأس المال، وإعادة توزيع الثروة بصورة أكثر عدالة، أما المسار الآخر فيتمثل في سيادة الديكتاتورية الرأسمالية. “عندما تكون الرأسمالية غير قادرة على خلق وهم النمو، الذي يتم توزيعه على المستوى الاجتماعي بشكل عادل، فإن تلك هى اللحظة التي يكون فيها الانفصال بين الديمقراطية والرأسمالية واجبًا، وبذلك يكون الحل الواقعي هو اكتمال النموذج المجتمعي لديكتاتورية الاقتصاد الرأسمالي المحصن ضد التصحيح الديمقراطي”.