قراءة في كتاب “فلسطين تاريخ شخصي” لكارل صباغ

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

“أنا ابن رجل فلسطيني، إلا أنني لا أحمل سوى القليل من الصفات التي ترتبط بالصور التقليدية المنطبعة في أذهان بعض الشعوب عن الفلسطينيين أو العرب، فأنا لست فقيرًا، ولا كث اللحية، ولا أعرف شىء عن تركيب القنابل، ولا علاقة لي بالجمال، أو الرمال، أو أشجار النخيل، لكنني أتعاطف مع شعب فلسطين ولي روح ترتبط بهم”. بهذه الكلمات يفتتح كارل صباغ كتابه “فلسطين تاريخ شخصي” متتبعًا تاريخ عائلته الفلسطينية التي عاشت لقرون طويلة في قرية “صفد” في منطقة الجليل شمالي فلسطين.

ويضيف في مقدمته للكتاب:”غادر عيسي صباغ فلسطين للدراسة في بريطانيا، وهو يعتقد أنه سيتمكن من زيارة وطنه في أي وقت يشاء، ليرى عائلته التي سكنت هذه الأرض على مر أجيال عديدة. لكن بعد تأسيس دولة اسرائيل اليهودية على أرض فلسطين، مُنع والدي والفلسطينيون كافة في الخارج من العودة إلى وطنهم”.

كارل المولود في لندن لأم انجليزية وأب فلسطيني هو الإذاعي الشهير في “بي بي سي” عيسى الصباغ، عاني لسنوات طويلة من السرديات المضللة والأكاذيب التي طالما روجتها الجماعات الصهيوينة عن فلسطين بوصفها “أرض بلا شعب”، كما عاني أيضًا من جهل البريطانيين بحقوق وتاريخ الشعب الفلسطيني رغم الدور الكارثي الذي لعبته بريطاني في تدمير فلسطين.

“عشت في غمرة هذا الجهل معظم أيام طفولتي، إلى أن تجلت لي فيما بعد تلك القيود التي تحد من فهم البريطانيين لقضية فلسطين. فقد كانت النظرة السائدة في بريطانيا إلى فلسطين إنجيلية أو قائمة على المفهوم اليهودي للأرض المقدسة على وجه التحديد، وكان السكان العرب يعانون دومًا من محاولة تصويرهم بأنهم مجرد (سكان أصليين)، وهى النظرة التي تعززت في بريطانيا بعمل اليهود الأوروبيين، الذين سعوا إلى إستغلال روح الاستعمار المتأصلة في الحكومة البريطانية”.

أكثر ما يميز الكتاب الصادر في ترجمته العربية عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، أنه يقدم التاريخ بوصفه صورة حية، وليس مجرد أحداث مجردة، فعبر أربعمائة صفحة وخمسين صفحة، ينقل الكاتب مجموعة من الأحداث والشواهد والحكايات العائلية والتاريخية التي تجمع ما بين التاريخ والأنثروبولوجيا، مقدمًا سردية معاصرة لتاريخ فلسطين.

كذلك يركز الكاتب على تفنيد الأكاذيب والادعاءات الصهيونية، موضحًأ أن:”تأسيس دولة إسرائيل، ما كان له أن يقع إلا بنشر سلسلة من الأكاذيب، وهذه عملية لم تنقطع حتى الآن”، ومن أبرز هذه الأكاذيب والادعاءات التي يروجها العدو الصهيوني، وحلفائها سواء في الغرب أو الدول العربية من دعاة التطبيع، الحديث عن أن الهوية الفلسطينية لم تظهر سوى عام 1948 حين أراد اليهود تأسيس دولتهم، فظهرت فكرة الدولة الفلسطينية كرد فعل، كذلك أن اليهود حاولوا العيش بسلام مع العرب، لكن العرب هم من رفضوا وأعلنوا الحرب.

في هذا السياق يشير كارل صباغ إلى مجزرة “دير ياسين” التي وقعت عام 1948، وراح ضحيتها نصف سكان القرية الفلسطينية من رجال ونساء وأطفال، موضحًا أنه رغم رفض سكان قرية “دير ياسين” المشاركة في أعمال المقاومة العربية، بل وتوقيعهم على وثيقة سلام طلبها رؤساء المستوطنات اليهودية المجاورة، إلا أن هذا لم يحم القرية وسكانها من خيانة العصابات الصهيوينة، فعقب أسبوعين من توقيع وثيقة ومعاهدة السلام، تم ارتكاب المجزرة.

“إن قرية دير ياسين من القرى الصغيرة على أطراف القدس، ولم يكن لها أي شأن في حركة المقاومة ضد اليهود، حتى إن كبراء القرية رفضوا طلب المتطوعين العرب بالاستعانة برجال القرية لمحاربة اليهود، كما منعوهم من استخدام القرية لمهاجمة قاعدة يهودية قربها، فرد المتطوعون العرب بقتل رؤوس الماشية فيها. بل إنها وقعت على اتفاق للالتزام بالسلم وعدم العدوان مع جيرانهم من اليهود، فما الذي كان يلزمهم فعله ليثبتوا لليهود صدق نواياهم في الرغبة بالسلم والأمن؟ كان الحكم في نهاية المطاف يشير إلى أنهم عرب، يعيشون في أرض أرادها اليهود لأنفسهم”.

يرد الكاتب كذلك على مروجي خطاب فالننسى الماضي بكل مآسيه وننظر للمستقبل وسبل التعايش، هذا الخطاب الساعي لطمس جرائم دولة الاحتلال، ومحو التاريخ الفلسطيني، مشيرًا إلى أن:”من الانتقادات الموجهة للكتاب الفلسطينين فرط تعلقهم بالتاريخ، فقد يقول قائل: الماضي مضى، وحتى لو وقع الظلم على الفلسطينين فعلينا أن ننظر إلى المستقبل، إلا أن العجيب أن الثلة التي تنتقد إعادة التنقيب في تاريخ مئة سنة منصرمة هم الذين ينطلقون من دعمهم لإسرائيل من تاريخ أسطوري ضارب في القدم، فهل حقًا الماضي قد مضى؟”.

ويضيف:”قاسى اليهود صنوف الاضطهاد في العديد من الأقطار على مر القرون، وانتهت مأساتهم بفظائع مخيمات الاعتقال النازية، وظل الصهاينة يقولون إنهم لن ينجو من الاضطهاد ما داموا مشردين بلا دولة تلم شعثهم، وبلا هوية وطنية تميزهم. بيد أن ذلك لا يسوغ حرمان شعب آخر من حقوقه، وإن كان الاضطهاد هو حجتهم للحصول على دولة لهم، فإن الفلسطنيين الآن يتقلبون على جمر الاضطهاد على يد اسرائيل. وتبقى الحقيقة التي تكدر على الصهاينة، هى أن اليهود الذين اختاروا العيش في بريطانيا أو أمريكا أو أوروبا لا يرون ضرورة العيش في دولة يهودية خالصة كي يكونوا في مأمن من الاضطهاد”