معركة سوريا الحقيقية

بدون مشروع سياسي ديمقراطى للحكم يتبناه الرئيس السورى بشار الأسد، ستظل سوريا معرضة لضربات أمريكية، أو تهديدات دائمة بهذه الضربات، كما ستظل مسرحا ساخنا لصراعات إرادات دولية متعارضة لن توفر أية فرصة لتحقيق استقرار سياسى فى البلاد.

ولكن هل يمتلك الرئيس بشار الأسد قناعات راسخة وظروف مواتية تؤهله للبدء فى تنفيذ جملة إصلاحات سياسية حقيقية تفتح الأبواب أمام مصالحة وطنية بين الفرقاء السوريين وتحقن الدماء فى بلاده؟.

قبل الإجابة عن هذا السؤال ، ينبغى بداية الإشارة إلى جملة التغيرات التى شهدتها سوريا مؤخرا ، فعلى الصعيد العسكرى حقق الجيش النظامى السورى انتصارات ضخمة على التنظيمات الإرهابية التى كانت تتمدد فى طول وعرض سوريا السنوات الماضية ، واستولت على العديد من البلدان الكبرى بل وحاصرت البعض الآخر.

وعلى الصعيد السياسى لم تعد دول الخليج بل والدول الغربية وعلى رأسها أمريكا نفسها تتمسك بمطالبها السابقة برحيل بشار الأسد عن السلطة قبل أى مفاوضات بشان الحل السياسى النهائى فى سوريا، فالكثير من هذه الدول أعلنت صراحة خلال الأسابيع الماضية أنها مستعدة لقبول بشار على رأس السلطة .

فى نفس الوقت، فإن الضربات الصاروخية الأمريكية البريطانية الأخيرة على سوريا ربما جاءت فى مصلحة الرئيس بشار وجعلته رمزا لصمود بلاده فى مواجهة عدوان غاشم، خاصة وأن هذا الهجوم لم يكن له أى تأثيرات عسكرية على الأوضاع داخل سوريا، بل كان محل سخرية العديد من السوريين، وجعل شعبية الأسد فى ازدياد حتى من الكثير من المعارضين له فى كل الدول العربية الذين شعروا بأن العدوان الأمريكى على سورية ليس له ما يبرره، وأنه يعكس رغبة امريكية دفينة بتفتيت سوريا وتأجيج الصراع الطائفى داخلها، خاصة وأن واشنطن لم تطرح أى بديل ديمقراطى للحكم فى سوريا، وأنها ستكرر تجربتها فى العراق التى تركته بعد إسقاط نظام صدام حسين ساحة قتال مذهبى استمر لعدة سنوات، وأسفر فى نهاية المطاف عن ظهور تنظيمات متطرفة على رأسها داعش الذى يتمدد فى العديد من الدول العربية والأوروبية أيضا.

بقاء بشار الأسد فى السلطة قد يحمى سوريا من التفتت والتشرذم إلى دويلات طائفية متحاربة، لكن وجوده فى الحكم بلا أفق سياسى يتضمن إصلاحات ديمقراطية واسعة سيجعل النار مشتعلة تحت الرماد، ولن يضع نهاية سعيدة للصراعات فى سوريا.

معركة الأسد الحقيقة الآن ليست ضد ترامب ولا حتى ضد إسرائيل، ولكنها ضد بنية الحكم نفسه الذى يترأسه، والذى يحتاج إلى رؤية إصلاحية شاملة، ترفع من شأن المؤسسات الديمقراطية التى تحكم البلاد وفق دستور جديد ينبغى أن يواكب عصر الجماهير وزمن الحريات السياسية والاجتماعية ، وتحافظ لسوريا على دورها القومى، وعلى إسهاماتها فى بناء نظام عربى إقليمى قوى تكون هى إحدى قلاعه الحصينة ، لا شوكة فى خاصرته.

قد يحتاج الأمر فى سوريا إلى فترة انتقالية للوصول إلى حلم الإصلاح السياسي، لكن هذه الفترة سيكون لها استحقاقات واضحة ينبغى أن تضع فى رهاناتها الأولى انهاء التوترات العسكرية فى البلاد، والاتفاق على وضع دستور ديمقراطي، والفصل بين السلطات، وإسقاط هيمنة الحزب الواحد على مراكز صنع القرار فى سوريا.

بدون هذه الإصلاحات لن يستطع الأسد تحقيق السلام والاستقرار فى بلاده، ستظل هناك ثغرات يتسلل منها أعداؤه لضرب نظامه تمهيدا لضرب سوريا نفسها وإغراقها فى بحور من الدم!